والتاريخ أحد العلوم التي اهتم المسلمون بتدوينها ، وخص بجانب كبير من الرعاية والاهتمام ، وهو علم ضمن منظومة متناسقة من العلوم التي شكلت النتاج الفكري الذي جعل لنفسه محورا ، وهو النص - الكتاب والسنة - بما اشتمل عليه من أحكام من مقاصد شرعية تشتمل على قيم ، وهذه المقاصد والقيم تعمل في وسط قواعد ، وتعمل كل هذه المنظومة في مجال السنن الإلهية التي خلقها الله تعالى في الكون والنفس والمجتمع ، وجعل المسلمون النص محورا لحضارتهم ، ومعنى ذلك : أنهم جعلوه معيارا للتقويم وجعلوه منطلقا للخدمة ، ومرجعا يرجعون إليه « 1 » ، واقتضى وجود النص مسألة التوثيق والتدوين ، وبدا في صورته الأولى جمعا لسيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وغزواته .
فقد دفع حرص المسلمين على معرفة أخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم طائفة من الرواة لحفظ هذه الأخبار ونشرها « 2 » . ولا يدخل عنصر المحبة والتنظيم وحده لهذا الاهتمام بسيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، بل انبهار العرب والمسلمين بما أحدثه النبي صلى اللّه عليه وسلم من انقلاب شامل في الجزيرة ، قد دعاهم إلى التعرف على سيرته وخطوات جهاده ، فمن باب المصلحة العامة كان الوقوف على أقوال الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأفعاله للاهتداء بهديه والاستناد إليها في التشريع ، وفي السلوك السوى في الحياة كما أن غزواته صلى الله عليه وسلم وغزوات أصحابه كانت لونا من المعرفة يبصّر الناس بحياة نبيهم ؛ لما يترتب عليها من أحكام يحتاج إليها المسلمون في وضعهم الجديد ، كالذي ترتب على المغازي من فتح ديوان العطاء ، ومعرفة أدوار الرجال في حركة الغزوات « 3 » ، ثم التقاط الحوادث من القرآن بوصفها عبرا وتوجيها للفكر البشرى إلى ما يدور في الزمن ، وهو أعظم تجديد فكرى من ناحية النظر إلى التاريخ « 4 » قال تعالى
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
[ النور : 44 ] . وذلك أن القرآن الكريم الذي جاء رحمة للناس قد حفظ لنا بالخبر الصادق - عن خالق الكون والإنسان - الحقائق الأساسية التي تتعلق بخلق هذا الكون والإنسان ، وسيرة الأنبياء والرسل والأمم الغابرة .
هامش
( 1 ) انظر : المدخل . الدكتور على جمعة ص 10 .
( 2 ) انظر : المسلمون وكتابة التاريخ د . عبد العليم خضر ص 79 .
( 3 ) نفس المصدر .
( 4 ) انظر : التفسير الإسلامي للتاريخ . د . عماد الدين خليل ص 5 .