بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
وباللّه ثقتي
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن أستاذنا وحبيبنا وسيدنا محمّد عبد الله ورسوله ، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، صلى الله عليه وسلم .
فأما بعد ؛ فإنّ علم التاريخ هو : الوقوف على أخبار الماضين ، وإنّ معرفة الماضي تكسبنا خبرة السنين الطويلة التي عاشتها البشرية ، وهذا من مستلزمات التكوين الفكري للإنسان المتحضر ، فإنه مطالب بأن يسعى إلى تحصيل الخبرات ، إذ لا شك أن التأمل في الماضي هو المنطلق لفهم أشياء كثيرة يعزب عن الإنسان فهمها دون سابق خبرة ، وهو أمر ظاهر ، وبما أن صفة النسيان من الصفات الملازمة للإنسان ؛ لذلك كان عليه تدوين - والتدوين هنا بالمعنى الأوسع الذي يشمل الكتابة ، والحفظ في الصدر ، كالحكايات والشعر - خبراته ، وخبرات غيره في مجال الزراعة ، والصناعة ، والحرب ، والحكم .
وهذا ما يمكن أن ندركه من خلال النظر إلى الكتابات الموجودة على جدران المعابد القديمة ، والنقوش المحفورة في المسلات ، وأوراق البردى عند الفراعنة ، والكتابات التي كتبت على الرقاع والأكتاف ، وعسف النخيل .
فبتطور الحال ، وسعى الإنسان دائما إلى التحضر ، والانتقال من الحياة الفردية إلى الحياة القبلية ظهرت صور أخرى للتدوين ، فكانت كل قبيلة تحفظ نسبها ، وتحفّظه أبناءها ؛ لتظل محافظة على عراقة نسبها ، ولكي تفتخر به على القبائل الأخرى ، وهو من قبيل التاريخ الشفهى . ومثله أيضا الأيام ؛ فكانت القبائل تروى أيامها ، وحروبها ، وانتصاراتها ؛ لتفخر به وتجعله حافزا لأبنائها ، سواء كان ذلك شعرا أو نثرا .
وبظهور الإسلام وانتشاره حدثت حركة علمية أخذت تتسع وتنتظم شيئا فشيئا حتى خلفت لنا ثروة علمية ، وبظهور عصر التدوين الحقيقي المتخصص عند المسلمين الأوائل في أواخر القرن الثاني الهجري .