من أين نحصّله ، والمجلس كيف نزيّنه . فقال أحدنا : عليّ البيت والنّزل « 1 » ، وقال آخر : عليّ الشّراب والنّقل ، ولمّا أجمعنا على المسير استقبلنا رجل في طمرين في يمناه عكّازة ، وعلى كتفيه جنازة « 2 » ، فتطيّرنا لمّا رأينا الجنازة وأعرضنا عنها صفحا ، وطوينا دونها كشحا « 3 » ، فصاح بنا صيحة كادت لها الأرض تنفطر ، والنّجوم تنكدر « 4 » ، وقال :
لترونّها صغرا « 5 » ، ولتركبنّها كرها وقسرا ، ما لكم تطيّرون « 6 » من مطيّة ركبها أسلافكم ، وسيركبها أخلافكم « 7 » ، وتتقذّرون سريرا وطئه آباؤكم ، وسيطؤه أبناؤكم ، أما واللّه لتحملنّ على هذه العيدان ، إلى تلكم الدّيدان ، ولتنقلنّ بهذه الجياد ، إلى تلكم الوهاد « 8 » ، ويحكم تطيّرون ، كأنّكم مخيّرون ، وتتكرّهون ، كأنّكم منزّهون ، هل تنفع هذه الطّيرة ، يا فجرة ؟
قال عيسى بن هشام : فلقد نقض ما كنّا عقدناه ، وأبطل ما كنّا أردناه ، فملنا إليه وقلنا له : ما أحوجنا إلى وعظك ، وأعشقنا للفظك ،
هامش
( 1 ) النزل : المنزل .
( 2 ) الجنازة : النعش والميت معا .
( 3 ) أي نفرنا منها .
( 4 ) انفطر : انشق . وانكدر : تناثر .
( 5 ) صغرا : أذلاء .
( 6 ) تطيّر : تشاءم .
( 7 ) أي الموت .
( 8 ) الوهاد : أي القبور . يريد أن يقول انكم ستموتون وتحملون على هذه الأخشاب أو النعش وتحملون إلى القبور .