ببشارة من نبيكم ، لكنّي لا أؤدّيها حتّى يطهّر اللّه هذا المسجد من كلّ نذل يجحد نبوءته .
قال عيسى بن هشام : فربطني بالقيود ، وشدّني بالحبال السّود « 1 » ، ثمّ قال : رأيته صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، كالشّمس تحت الغمام ، والبدر ليل التّمام ، يسير والنّجوم تتبعه ، ويسحب الذّيل والملائكة ترفعه ، ثمّ علّمني دعاء أوصاني أن أعلّم ذلك أمّته ، فكتبته على هذه الأوراق بخلوق ومسك ، وزعفران وسك « 2 » ، فمن استوهبه منّي وهبته ، ومن ردّ عليّ ثمن القرطاس أخذته .
قال عيسى بن هشام : فلقد انثالت عليه الدّراهم حتّى حيّرته ، وخرج فتبعته متعجّبا من حذقه بزرقه « 3 » ، وتمحّل رزقه ، وهممت بمسألته عن حاله فأمسكت ، وبمكالمته فسكتّ ، وتأمّلت فصاحته في وقاحته ، وملاحته في استماحته « 4 » ، وربطه النّاس بحيلته ، وأخذه المال بوسيلته ، ونظرت فإذا هو أبو الفتح الإسكندريّ ، فقلت : كيف اهتديت إلى هذه الحيلة ؟ فتبسّم وأنشأ يقول :
النّاس حمر فجوّز * وابرز عليهم وبرّز « 5 »
حتّى إذا نلت منهم * ما تشتهيه ففروز « 6 »
هامش
( 1 ) الحبال السود : السلاسل الحديدية . يريد أنه أجبر على البقاء .
( 2 ) الخلوق والخلاق : نوع اصطناعي من الطيب . وكذلك السك .
( 3 ) الزرق : رمي الصياد صيده بالمزراق ، وأراد هنا حيلة في اصطياد دراهم الناس .
( 4 ) الاستماحة : طلب العطاء .
( 5 ) جوز : قاد .
( 6 ) فروز : مات . يريد ان يقول أن الناس أغبياء كالحمير ، فقدهم حيث تشاء وأظهر عليهم وانبه بينهم ، وإذا نلت منهم بغيتك فارقهم ولو بالموت .