ولّي الكتابة « 1 » ، وجعل عمل الزّمام ، إلى رجل من أهل الشّام ، فصارت تحفة الفضلاء « 2 » ، ومحطّ رحالهم ، ولم يزل يرد الواحد بعد الواحد ، حتّى امتلأت العيون من الحاضرين ، وثقلوا على القلوب ، وورد فيمن ورد أبو النّدى التّميميّ ، فلم تقف عليه العيون ، ولا صفت له القلوب ، ودخل يوما إليّ فقدرته حقّ قدره ، وأقعدته من المجلس في صدره ، وقلت : كيف يرجّي الأستاذ عمره ؟ وكيف يرى أمره « 3 » ؟
فنظر ذات اليمين وذات اليسار ، فقال : بين الخسران والخسار « 4 » ، والذّلّ والصّغار ، وقوم كروث الحمار ، يشمّهم الإقبال وهم منتنون « 5 » ، ويحسن إليهم فلا يحسنون ، أما اللّه لقد وردت منهم على قوم ما يشبههم من النّاس ، غير الرّأس واللّباس ، وجعل يقول :
فدى لك يا سجستان البلاد * وللملك الكريم بك العباد « 6 »
هب الأيّام تسعدني وهبني * تبلّغنيه راحلة وزاد
فمن لي بالّذي قد مات منه * وبالعمر الذي لا يستعاد ؟ « 7 »
هامش
- يقوم صاحبه بجمع البينات واستجلاء الحق وحمل الخصوم على الصلح واستخلاف الشهود وتنفيذ الأحكام .
( 1 ) الكتابة : ديوان الرسائل الصادرة عن السلطان ، تولاها بلغاء أدباء أمثال عبد الله بن المقفع ، وعبد الحميد والجاحظ الخ .
( 2 ) أي أصبحت الوزارة نفيسة للأفاضل .
( 3 ) كيف يرجى الأستاذ عمره : كيف يأمل أن تكون حياته وما هو رأيه في أحواله .
( 4 ) الخسران : الفشل وفقدان الآمال . الخسار : الهلاك .
( 5 ) الإقبال : السعادة .
( 6 ) المعنى انه يفدي بلاد سجستان ( احدى مدن إيران الشرقية ) ، كما يفدي ملكها .
( 7 ) المعنى : إذا اسعفتني الأيام بالوصول إلى ملك سجستان ، فهل يفيد لي هذا في التعويض عما فات من العمر ؟ .