نظمنا القدّ أحزابا ، وربطت خيولنا اغتصابا « 1 » ، حتّى أردف اللّيل أذنابه ، ومدّ النّجم أطنابه « 2 » ، ثمّ انتحوا عجز الفلاة ، وأخذنا صدرها ، وهلمّ جرّا « 3 » ، حتّى طلع حسن الفجر من نقاب الحشمة ، وانتضي سيف الصّبح من قراب الظّلمة « 4 » ، فما طلعت شمس النهار ، إلّا على الاشعار والأبشار « 5 » ، وما زلنا بالأهوال ندرأ حجبها ، وبالفلوات نقطع نجبها « 6 » ، حتّى حللنا المراغة « 7 » ، وكلّ منّا انتظم إلى رفيق ، وأخذ في طريق ، وانضمّ إليّ شابّ يعلوه صغار ، وتعلوه أطمار « 8 » ، يكنى أبا الفتح الاسكندريّ ، وسرنا في طلب أبي جابر « 9 » فوجدناه يطلع من ذات لظى ، تسجر بالغضا « 10 » ، فعمد الاسكندريّ إلى رجل فاستماحه كفّ ملح ، وقال للخبّاز : أعرني رأس التّنّور ، فإنّي مقرور « 11 » ، ولمّا
هامش
( 1 ) القد : رباط من جلد تقيد به الأسرى . اغتصابا : قهرا . المعنى أنهم أوثقوهم بالقيود طوال ذلك النهار وربطوا خيولهم قهرا .
( 2 ) أردف الليل أذنابه : استتبعها وجعل بعضها يلي بعضا . ويعني بالأذناب الظلمة . الأطناب : الحبال وتعني هنا خيوط النور المنبعثة من النجوم .
( 3 ) انتحوا عجز الفلاة : قصدوا آخرها . أخذنا صدرها : قصدنا أولها . المعنى :
ذهبنا إلى الجهة غير الجهة التي ذهبوا إليها . هلمّ جرا : وهكذا استمر الأمر .
( 4 ) شبّه الفجر بوجه المرأة الجميلة . وشبّه الصبح بالسيف الذي يستل من غمده .
( 5 ) الأشعار : جمع شعر . والأبشار : جمع بشرة هي جلد الجسم .
( 6 ) ندرأ : نمنع . النجب : لحاء الشجرة وقشرها ، ويعني بها هنا سطح الفلاة .
( 7 ) المراغة : بلدة في آذربيجان المحاذية لارمينيا .
( 8 ) الصغار : الذل والهوان . الأطمار : الثياب الرثة .
( 9 ) أبو جابر : كنية الخبز .
( 10 ) ذات لظى : النار . تسجر : توقد . الغضا : شجر شديد الاشتعال .
( 11 ) استماح : طلب الإذن . التنور : مكان الخبز . مقرور : أصابه القر أي البرد .