تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فرع سنامه جعل يحدّث القوم بحاله ، ويخبرهم باختلاله ، وينشر الملح في التّنّور من تحت أذياله ، يوهمهم أنّ أذى بثيابه ، فقال الخبّاز : ما لك لا أبا لك ؟ ! اجمع أذيالك فقد أفسدت الخبز علينا ، وقام إلى الرّغفان فرماها ، وجعل الاسكندريّ يلقطها ، ويتأبّطها ، فأعجبتني حيلته فيما فعل ، وقال : اصبر عليّ حتّى أحتال على الأدم « 1 » ، فلا حيلة مع العدم ، وصار إلى رجل قد صفّف أواني نظيفة فيها ألوان الألبان ، فسأله عن الأثمان ، واستأذن في الذّوق ، فقال : افعل ، فأدار في الآنية إصبعه ، كأنّه يطلب شيئا ضيّعه ، ثمّ قال : ليس معي ثمنه ، وهل لك رغبة في الحجامة ؟ فقال : قبّحك اللّه ! أنت حجّام ؟ قال : نعم ، فعمد لأعراضه يسبّها ، وإلى الآنية يصبّها ، فقال الاسكندريّ : آثرني على الشّيطان « 2 » ، فقال : خذها لا بورك لك فيها ، فأخذها وأوينا إلى خلوة ، وأكلناها بدفعة ، وسرنا حتّى أتينا قرية استطعمنا أهلها ، فبادر من بين الجماعة فتى إلى منزله ، فجاءنا بصحفة قد سدّ اللّبن أنفاسها ، حتّى بلغ رأسها ، فجعلنا نتحسّاها ، حتّى استوفيناها ، وسألناهم الخبز ، فأبوا إلّا بالثّمن ، فقال الاسكندريّ : ما لكم تجودون باللّبن ، وتمنعون الخبز إلّا بالثمن ؟ فقال الغلام : كان هذا اللّبن في غضارة ، قد وقعت فيه فارة ، فنحن نتصدّق به على السّيّارة « 3 » ، فقال الاسكندريّ : إنّا للّه ! وأخذ الصّحفة فكسرها ، فصاح الغلام : وا حرباه « 4 » ، وا محروباه ، فاقشعرّت منّا الجلدة ، وانقلبت علينا المعدة ، ونفضنا ما كنّا أكلناه ،
هامش
( 1 ) الأدم : ما يؤكل مع الخبز . ( 2 ) آثرني على الشيطان : أعطني إياها بدل اراقتها على الأرض . ( 3 ) غضارة : قصعة . السيارة : المارة . ( 4 ) وا حرباه : استغاثة تعني استلاب المال بالقوة .