فأنشدت لامرئ القيس ، وعبيد « 1 » ، ولبيد « 2 » ، وطرفة ، فلم يطرب لشيء من ذلك ، وقال : أنشدك من شعري ؟ فقلت له : إيه ، فأنشد :
بان الخليط ولو طوّعت ما بانا * وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا « 3 »
حتّى أتى على القصيدة كلّها ، فقلت : يا شيخ ، هذه القصيدة لجرير « 4 » قد حفظتها الصّبيان ، وعرفها النّسوان ، وولجت الأخبية ، ووردت الأندية ، فقال : دعني من هذا ، وإن كنت تروي لأبي نواس شعرا فأنشدنيه ، فأنشدته :
لا أندب الدّهر ربعا غير مأنوس * ولست أصبو إلى الحادين بالعيس
أحقّ منزلة بالهجر منزلة * وصل الحبيب عليها غير ملبوس « 5 »
هامش
( 1 ) عبيد : هو عبيد بن الأبرص الأسدي ، أحد شعراء الجاهليّة . كان مقلا في شعره ، وعده ابن سلام في الطبقة الرابعة .
( 2 ) لبيد : هو لبيد بن ربيعة العامري . شاعر مجيد حكيم مثل زهير بن أبي سلمى . دافع عن قومه عند ملك الحيرة ، ولما جاء الإسلام وفد على النبي مع قومه وأسلم إسلاما حسنا وتاب عن نظم الشعر إلا بيتا واحدا هو قوله :الحمد للّه إذ لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الإسلام سربالاوتوفي في عهد معاوية سنة 41 ه . وعمر طويلا فناهز 157 سنة .
( 3 ) بان : افترق ، بعد . الخليط : الجماعة . طوعت : أطعت . أقران : جمع قرن وهو الحبل .
( 4 ) جرير : هو جرير بن عطية بن الخطفي التميمي . ولد ونشأ في اليمامة وانتقل إلى البصرة واتصل بالحجاج ومدحه فدله على عبد الملك بن مروان فقصده ومدحه ونال جوائزه . وخاض غمار حرب هجائية فلم يصمد له سوى الفرزدق نسيبه والأخطل التغلبي . ومات في اليمامة سنة 110 ه .
( 5 ) يتهكم أبو نواس على الشعراء الذين يستهلون قصائدهم بالوقوف على -