قال عيسى بن هشام : فو اللّه ما أجلت قدحا في جوابه « 1 » ، ولا اهتديت لوجه صوابه ، إلّا « لا أعلم » . فقال : وما لا تعلم أكثر ، فقلت : ومالك مع هذا الفضل ، ترضى بهذا العيش الرّذل ؟ فأنشأ يقول :
بؤسا لهذا الزّمان من زمن * كلّ تصاريف أمره عجب
أصبح حربا لكلّ ذي أدب * كأنّما ساء أمّه الأدب
فأجلت فيه بصري ، وكرّرت في وجهه نظري ، فإذا هو أبو الفتح الإسكندريّ ، فقلت : حيّاك اللّه وأنعش صرعك « 2 » ، إن رأيت أن تمنّ عليّ بتفسير ما أنزلت ، وتفصيل ما أجملت ، فعلت ، فقال :
تفسيره : أمّا البيت الّذي لا يمكن حلّه فكثير ، ومثاله قول الأعشى « 3 » .
دراهمنا كلّها جيّد * فلا تحبسنّا بتنقادها
وأما المدح الّذي لم يعرف أهله فكثير ، ومثاله قول الهذليّ « 4 » :
ولم أدر من ألقى عليه رداءه * على أنّه قد سلّ عن ماجد محض
هامش
( 1 ) أي ما استطعت أن أضرب سهما في فهمه .
( 2 ) انعش صرعك : أقالك من سقطتك .
( 3 ) الأعشى : هو ميمون بن قيس بن جندل ، شاعر جاهلي فحل اشتهر بمدائحه التكسبية وخمرياته الجميلة . أدرك الاسلام وسار إلى النبي ليمدحه فثناه الكفار ومات في الطريق . والبيت لا يحل لأنه جاء كالنثر ليس فيه تقديم وتأخير .
( 4 ) الهذلي : هو أبو خراش من بني هذيل . وهو من أبيات قالها عندما ألقى رجل رداءه على أخيه ليحميه من أعدائه .