وآدابهم ، مع ما يستفاد منهم من أنفاسهم وأفعالهم . وأما البقاع فالمساجد الثلاثة لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد :
المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » وأيضا الثغور للرباط بها لا غير .
القسم الثالث : أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين إذ الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين . ومما يجب الهرب منه : الولاية والجاه وكثرة العلائق والأسباب ، إذ الدين لا يتم الا بقلب فارغ من غير اللّه ، ولا يتصور الفراغ من المهمات والحاجات الضرورية ولكن يتصور تخفيفها ، وقد نجا المخففون وهلك المثقلون ، وهذه نعمة عظيمة من اللّه تعالى لعباده ، وله الحمد حيث لم يجعل النجاة في الفراغ المطلق من جميع الأوزار والأعباء ، بل قبل المخفف بفضله ورحمته ، والمخفف الذي ليست الدنيا أكبر همته وكان لا يتيسر في الوطن لمن اتسع جاهه وكثرت علائقه ، فلا بد له من العزلة والخمول وقطع العلائق التي له عنها بد حتى يروض نفسه مدة ، إلى أن يمن اللّه تعالى عليه حتى يستوي عنده الحضر والسفر والعلائق وعدمها ، لكن ذلك مما يعز وجوده جدا .
ومنهم من هرب حذرا من الشهرة إذا قام في بلد ، ومن المتوكلين من يختار السفر لأنه يرى في الإقامة اعتمادا على الأسباب ويراه قادحا في التوكل .
القسم الرابع : الهرب مما يقدح في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء السعر وما يجري مجراه ، ولا حرج في ذلك إذ الفرار قد يجب وقد يستحب بحسب ما يترتب عليه من الفوائد ، ولكن يستثنى عنه الطاعون لورود النهي في الهرب عنه ، وستعرف حاله مفصلا في قسم التوكل .
وإذا عرفت أقسام الأسفار ، فقد ظهر لك منه أن السفر : إما مذموم وهو قد يكون حراما كالإباق وسفر العاق ، وقد يكون مكروها كالخروج من بلد الطاعون ، وإما محمود وهو قد يكون واجبا كالحج وطلب العلم ، وقد يكون مندوبا كزيارة العلماء والمشاهد المتبركة ، وإما مباح كطلب المال للتعفف عن السؤال وإقامة المروءة في العيال .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 280
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٨٠