ودخل العتبي المقابر ، فأنشد :
سقيا ورعيا لإخوان لنا سلفوا * أفناهم حدثان الدهر والأبد « 1 »
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا * ولا يئوب إلينا منهم أحد
وقال الغطمش :
أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب
ونحوه :
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها * فقدت صديقا والبلاد كما هيا
وقيل لبهلول وقد أقبل من مقبرة : من أين ؟ فقال : من عسكر الموتى . فقيل : ما قلت وما قالوا ؟ فقال : سألتهم متى يرحلون ؟ فقالوا : ننتظر قدومكم ثم نرتحل . ونحو هذا قول الحسن : يا عجبا بقوم أمروا بالزاد وأذنوا بالارتحال وأقام أولهم على آخرهم وآخرهم قعود يلعبون فليت شعري ما الذي ينتظرون ؟
قال الموسوي :
تملي المقادير أعمارا وتنسخها * ويضرب الدهر أياما بأيّام « 2 »
مرجع الإنسان إلى ما خلق منه
قال اللّه تعالى :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
« 3 » .
وقال المتنبي :
إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتى * يعود كما أبدي ويكري كما أرمى « 4 »
قال الخبزارزي :
هو الموت مخلوق له الخلق أجمع * فليس له عن أنفس النّاس مقلع « 5 »
وقال المتنبّي :
نحن بنو الدنيا فما بالنا * نعاف ما لا بدّ من شربه « 6 »
تبخل أيدينا بأرواحنا * على زمان هنّ من كسبه
فهذه الأرواح من جوّه * وهذه الأجساد من تربه
لو فكّر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه « 7 »
هامش
( 1 ) الحدثان : اللّيل والنّهار وحدثان الدّهر أيضا نوائبه ومصائبه .
( 2 ) تنسخها : تزيلها وتبطلها .
( 3 ) القرآن الكريم : طه / 55 .
( 4 ) يكري الشيء : ينقص - أرمى : زاد .
( 5 ) المقلع : من أقلع أي ترك وكفّ ، وليس له مقل : أي ليس بخياره أن يتركهم أو يتجنب إماتتهم .
( 6 ) نعاف : نكره .
( 7 ) أي لو فكر فيما تصير إليه محاسن معشوقه بعد الموت لم يعشقه .