تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
العطلة في حال الولاية ، ولا تحقرنّ شيئا صغيرا ، فالذود « 1 » إلى الذود إبل ، والولاية رقدة فتنبّه قبل أن تنبه . وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر ، وما هذه الوصية كما أوصى به الحكماء ، ولكنّي رأيت الحزم في أخذ العاجل وترك الآجل .

من أريد عزله فاحتال أن يقرّ على ولايته

كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وإلى المغيرة « 2 » ، أن يقدما عليه . فقدم عمرو من مصر والمغيرة من الكوفة . فقال عمرو للمغيرة : ما جمعنا معاوية إلا ليعزلنا . فإذا دخلت فاشك إليه الضعف ، واستأذنه أن تأتي الطائف . وأنا أسأله مثل ذلك فسيظنّ أنا نريد به شرا ، فسيردنا إلى العمل . فدخل المغيرة فسأله أن يعفيه وأن يأذن له في الذهاب إلى الطائف ، ثم دخل عمرو فسأله مثل ذلك فقال معاوية لقد تواطأتما على أمر وهممتما بشر ارجعا إلى عملكما . ولما استخلف سليمان بن عبد الملك تهدّد الحجّاج بالعزل فكتب إليه الحجاج : يا سليمان إنما أنت نقطة من مداد ، فإن رأيت في ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما ، وإلا فأنا الحجّاج . وأنت نقطة إن شئت أثبتك وإلا محوتك فأقرّه على عمله . وكان معاوية عزل عمرا عن مصر بأبي الأعور السلمي ، وكتب إليه على يده ، وقال : ائته وادفع إليه الكتاب وأخرجه . فلما انتهى إلى مصر علم عمرو سبب مورده ، فقال لوردان غلامه : احتل عليه . فقال : نعم . فلما دخل ، وأراد أن يناوله الكتاب حلف أن لا يأخذ الكتاب أو يأكل فقعد للأكل مع عمرو . فاحتال وردان وسرق كتبه . فلما فرغ وطلب الكتاب لم يجده . فقال : إن أمير المؤمنين عزلك بي . فقال : هات الكتب فلم يجدها ، فاضطرب . فكتب عمرو في الوقت إلى معاوية وأرضاه ، فلما سمع بخبره ضحك وأمر برد أبي الأعور إليه . وقدم عمر رضي اللّه عنه الشام فتلقاه معاوية في موكب عظيم ، وكان عمر على حمار هزيل ، فلم يعرفه معاوية ، وجازه حتى نبّه . فنزل له فاعرض عنه عمر ، وقال : قد صرت صاحب الموكب وذوو الحاجات تقف على بابك . قال : نعم ، فقال : ونعم أيضا ؟ فقال : إنني ببلد يكثر فيه جواسيس العدوّ ولا بد مما يرهبهم من آلة السلطان ، فإن أمرتني فعلت وإن نهيتني انتهيت . فقال عمر رضي اللّه عنه : لا آمرك ولا أنهاك ، واللّه لئن صدقت لقد فعلت فعل أريب ، ولئن كذبت فقد اعتذرت عذر أديب . فقال أبو عبيدة : ما أحسن ما صدر عما أوردته فقال عمر رضي اللّه عنه لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشّمناه .
هامش
( 1 ) الذود ( من الإبل ) : من الثلاث إلى الثلاثين . ( 2 ) المغيرة : هو المغيرة بن شعبة وهو أحد الصحابة ، كوفي المنبت . تولّى زمن عمر بن الخطاب ولاية البصرة وكان أحد دهاة العرب المشهورين ، مات بالطاعون سنة 46 ه ( 666 م ) .