فصاحب الهدية لا يرضى بعشر أمثالها مع الشنعة ، ثم اسلخ ما بين أقفائهم إلى عجب ذنبهم فإنهم يرضون عنك .
مدح من لا يتكسّب في ولايته ولا ينفق
اجتمع عند المنصور يزيد بن أسيد ومعن بن زائدة وعدة من الأماثل ، فقال معن :
ولأني أمير المؤمنين موضع كذا ، فحملت إليه كذا وكذا ، وأنت ولاك أرمينية « 1 » فبعثت إليه بمشربة طبخ . فقال يزيد : يا أمير المؤمنين أيما أحب إليك الضنين بأمانته « 2 » أو الجواد بخيانته ؟ فقال المنصور : بل الضنين بأمانته . وولّى مصعب جد الأصمعي الأهواز فعاد ولم يكن له إلا درهمان . فقيل له ذلك ، فقال : ما وجدت إلا مسلما له ما لي ، وعليه ما عليّ أو ذميا له ذمة واجبة عليّ فلم أدر أين أضع يدي .
ودخل عمير بن سعد على عمر لما رجع إليه من ولاية حمص ، وليس معه إلا جراب وإداوة ، وقصعة وعصا ، فقال عمر : ما الذي أرى بك من سوء الحال ؟ فقال :
أو لست تراني صحيح البدن معي الدنيا بحذافيرها . فقال : وما معك ؟ قال : جرابي أحمل فيه زادي وقصعتي أغسل فيها ثوبي ورأسي ، وإداوتي فيها ماء سقيتي ووضوئي ، ومعي عصاي إن لقيت عدوّا دافعته بها وما بقي فتبع لما معي . قال :
صدقت .
قال بعض الخراسانية :
فعاش خمسين عاما في ولايته * وجاع يوم ثوى في لحده خدمه
وهذا البيت يمكن أن يكون مدحا وأن يكون ذما .
تحريض الوالي على الاكتساب
كتب أبو العيناء « 3 » إلى صديق له تولّى عملا : أما بعد فإني لا أعظك بموعظة اللّه تعالى ، لأنك غنيّ عنها ولا أخوفك إياه لأنك لا تخافه ، ولكنّي أقول ما قاله الشاعر :
أحار بن عمر وقد وليت ولاية * فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ينطق « 4 »
واعلم أن الخيانة فطنة ، والأمانة خرفة ، والجمع كيس ، والمنع صرامة . فاذكر أيام
هامش
( 1 ) أرمينية : موطن الشعب الأرمني وهو من الآريين . واللغة الأرمنية من اللغات الهند وأوروبيّة .
( 2 ) الضنين بأمانته : البخيل بها .
( 3 ) أبو العيناء : هو محمد بن قاسم الهاشميّ . وهو أحد الأدباء الشّعراء . كانت ولادته في الأهواز في حدود سنة ( 805 م ) ، ومات في البصرة سنة 283 ه ( 896 م ) . أخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعيّ .
( 4 ) الهيبوبة : مصدر هابه مهابة وهيبوبة وهيبا وهيبة أي خافه واتّقاه .