وحفظ طرقها في الأسفار ، ومنع عدوها عن حريمها ، وإعزاز قضاتها ، وقال المتنبّي :
إذا طلبت ودائعهم ثقات * دفعن إلى المحاني والرّعان « 1 »
فماتت فوقهن بلا صحاب * تصيح بمن يمر : ألا تراني
وصيّة الكبار بتحرّي الإنصاف
كان كسرى يقيم رجلين عن يمينه وشماله إذا قعد للنظر في أمور الناس . فكان إذا زاغ « 2 » ، حرّكاه بقضيب كان معهما ، وقالا له ، والرعية يسمعون : أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق ، وعبد لا مولى . ليس بينك وبين اللّه قرابة . أنصف الناس وانظر لنفسك .
ودخل أسقف نجران على مصعب ، فكلّمه بشيء أغضبه فرماه بمحجن . فقال الأسقف : إن لم يغضب الأمير ، حدّثته بحديث ، فقال : حدّث . فقال : في الإنجيل ليس للإمام أن يظلم وبه يلتمس العدل ، ولا أن يسفّه ومنه يطلب الحلم فاعتذر منه وندم .
مدح العفّة والأمانة والحثّ عليهما
قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
« 3 » . إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها . وقال تعالى :
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
« 4 » وقال :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
« 5 » .
وقال عليه الصلاة والسلام : لا إيمان لمن لا أمانة له .
وقال أعرابي اللهم إني أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة . وقال بعضهم : إذا لم تكن خائنا فبت آمنا . وقال الجاحظ : سقى اللّه قبر الأحنف ، حيث يقول الزم الصحة يلزمك العمل .
وقيل : من أحرز العفاف لم يعدم الكفاف « 6 » . وقال معاوية رضي اللّه عنه : من ولّيناه أمرا فليلزم الرفيعين : الأمانة والعدل .
منع الوالي عن قبول الهديّة
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : الهدية تذهب السمع والبصر ، وقال : إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوّة .
وبلغ أنوشروان أن بعض عماله قبل هدية ، فأحضره فلمّا دخل عليه ، قال : هل قبلت الهدية ؟ فقال : نعم ، فقال : إن قبلتها لتستكفيه شيئا لم تكن تستكفيه لو لاها ، إنك لخائن .
وإن قبلتها ولم تكافئه إنك للئيم . ولئن كافأته بسطت لسان رعيتك عليك ذمّا . فمن أتى صنيعا لا يخلو من هذه الثلاثة رغبنا عنه ، وعزله . وقال الحجاج لوال : لا تقبل الهدية
هامش
( 1 ) المحاني : منعطفات الأدوية - الرعان : جمع رعن وهو أفق الجبل .
( 2 ) زاغ : مال واعوج .
( 3 ) القرآن الكريم : نوح / 90 .
( 4 ) القرآن الكريم : البقرة / 83 .
( 5 ) القرآن الكريم : البقرة / 276 .
( 6 ) الكفاف ( من الرزق ) : ما كفى عن النّاس وأغنى .