ذلك شعر قال فيه « 1 » :
جلوسي في سوق أبيع وأشتري * دليل على أن الأنام قرود
ولا خير في قوم تذلّ كرامهم * ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عني رثاثة كسوتي * هجاء قبيحا ، ما عليه مزيد
وكان من نتائج ترفع أبي هلال بنفسه ، واحترازه من الطمع أنه عاش في ضيق وإقتار وقلة من المال . وكان مع ذلك يعرف قدر نفسه ، ومكانته في العلم ، ويحس في قرارة نفسه أنه لم يأخذ حقه من نعمة الحياة وبهجتها . وكان يألم لذلك أشد الألم . ولكن الألم ما كان يجديه نفعا ، ولا يغنيه شيئا . فكان ينفث آلامه في شعره ، كما في هذه الأبيات « 2 » :
إذا كان مالي مال من يلقط العجم * وحالي فيكم حال من حاك أو حجم
فأين انتفاعي بالأصالة والحجى * وما ربحت كفي من العلم والحكم
ومن ذا الذي في الناس يبصر حالتي * فلا يلعن القرطاس والحبر والقلم
وهي أبيات تنطق بالنقمة ، وترتعش بالألم الدفين في أعماق أبي هلال الناقم الساخط على حظه من الحياة . وتذكرنا هذه الأبيات بصيحات الألم والنقمة التي كان يطلقها أبو حيان التوحيدي ، حينا بعد حين ، في كتبه شاكيا حظه من الدنيا ومن الناس ، على الرغم من الاختلاف الظاهر بين طبيعة الرجلين وأخلاقهما .
* * *
هامش
( 1 ) معجم الأدباء 8 / 262 .
( 2 ) معجم الأدباء 8 / 261 .