أشهد أنه لا أب له ولا أم ولا صاحبة . انظر ما أحسن هذا الجواب كيف ردّ الأعرابي من الخطأ إلى الصواب .
وقد كره بعض العلماء أن يقول الرجل : لا أم لك ولا أبا لك ، حتى كره أن يقول :
لا أب لشانيك ، وهذا القول يروى عن أبي البختري أنه كرهه . خرجه ثابت رحمه اللّه وقال : هو كناية عن قولهم : لا أب لك ، والشاني هو المبغض . وفي القرآن العزيز :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
[ الكوثر : 3 ] ، قيل : هو القليل الخير . قال يعقوب : الأبتران العبد والعير ، سميا بذلك لقلة خيرهما واللام في لا أبا لك ؛ مقحمة لا يعتدّ بها ، إلا أن أصله : لا أباك . قال الشاعر :
أبا الموت الذي لا بد أني * ملاق لا أباك تخوّفيني
وأغرب من هذا وأعز ما قال الآخر لبعض قومه :
أبني عقيل لا أبا لأبيكم * إني وإن بني كلاب أكرم
وقد أسقطوا النون عند اللام ولا تسقط إلا عندها . قالوا : لا عبدي لك ولا كمي لك ، لأن الهمزة زائدة كالمقحمة لا يعتدّ بها ، فكأنه قال : لا عبديك ولا كميك ، واللّه أعلم .
فصل : [ ومما يشبه ما تقدّم أيضا قولهم : تربت يداك ، . . . ]
ومما يشبه ما تقدّم أيضا قولهم : تربت يداك ، وجاء من ذلك في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام لأم سلمة رضي اللّه عنها : تربت يداك ، ولعائشة رضي اللّه عنها :
تربت يمينك . قال المازري : تأوّله مالك رضي اللّه عنه على أنه دعاء لهما بالاستغناء لما يبعد في نفسه أن يدعو عليهما بالفقر . وتربت بمعنى : استغنت ، ذكره عيسى بن دينار .
وقال غيره : إنما معناه افتقرت من العلم في هذه المسألة ، لأنه يقال : ترب الرجل : إذا افتقر ، وأترب : إذا استغنى . قال ابن عرفة : أراد تربت يداك إن لم تفعلي ما أمرتك . قال ابن الأنباري : معناه للّه درك إذا استعملت ما أمرتك واتعظت بعظتي . قال الهروي :