لم يستقم لي في هذا الباب بيت على تأسيسه إلا بمعكوسه ، وما قام حتى دعمته ، ولا استقام حتى أعنته ، وأنشدت :
وبعد ما وجدت غير هذا * فاسمعه إني لست ممن هاذى
واقنع واحذر من وابل رذاذا * وارض به مرقعا جذاذا
ومع هذا ؛ فإن كان قد جاء وهو ملفق مرقوع ، فهو في معناه موفق مرفوع ، يحتوي على عيون من العلوم ، وفنون من الفهوم . وقد كنت أوّل ما فرضته وعلى نفسي عرضته ، قلت : هذا بيت من الكلام قفر ، ليس فيه ما يقال وقد عراه بتر ، فما عندي ما يؤكل ولا يكال ، لكن قلت : الكبير يحتال ، وإن لم يجد ما يكتال يغتال ، والقرآن وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام يصلحه ، حتى تصير بعد أن كنت تذمه تمدحه . وها أنا ذا إن شاء اللّه أشرحه ، وأبسط ما انقبض منه وأفتحه .
أما أع اع : فصوت يخرج من الجوف مع تنفس . وخرج البخاري عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول : أع أع ، والسواك في فيه كأنه يتهوّع . وذكر النسائي هذا الحديث وقال : وهو يقول : عا عا .
وللعرب ألفاظ مثل هذه ورد منها في الحديث كثير . سأذكر منها في آخر هذا الباب ما أمكن إن شاء اللّه تعالى .
وأما أغ أغ : فصوت الصبي الصغير حين يريد الكلام به يبدأ ، وربما يقال له ذلك . وفي ذلك يقول الشاعر ؛ وكان له طفل يقوله :
فلذة قلبي أمسها بيدي * إذا أراد الكلام قال أغ
لو وصف الواصفون كلهم * مقدار حبي له لما بلغوا
وأما واع : فاسم فاعل من : وعا يعى وعيا ، والواو أصلية . وكذلك في : وعا ووعا المذكور في البيت . يقال : وعيت العلم وأوعيت المتاع . قال الشاعر :
الخير يبقى وإن طال الزمان به * والشر أخبث ما أوعيت من زاد
ووقع في البخاري في حديث كسوف الشمس قال هشام : فلقد قالت لي فاطمة :
فأوعيت . وذكر الحديث .
فعلى هذا يقال : أوعيت العلم ، وكذلك قال ابن قتيبة : أوعيت العلم ووعيته .
والمشهور : أوعيت المتاع في الوعاء ، ووعيت العلم . وقال اللّه عز وجل :
وَجَمَعَ فَأَوْعى
[ المعارج : 18 ] ،
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقة : 12 ] وتفسير أوعى أي : جمع المال وجعله في وعائه ، ومنع منه حق اللّه تعالى ، وهذه صفة الكافر ، دليله قوله تعالى :
إِلَّا الْمُصَلِّينَ
[ المعارج : 22 ] . والكفار لا يصلون ، والصلاة هنا : المكتوبة . قال ابن