وإنما أراد : أيقولون . كذا قال ابن قتيبة بعد ما ذكر هذا كله قال : واللّه أعلم بكتابه . وأنا أقول : صدق .
وأما أم : فمصدر أم المتقدّم كررته فرفعته . والأم أيضا : الشيء المقصود . قال الشاعر وهو الشنفرى واسمه عمرو بن عامر :
كأن لها في الأرض نسيا تقصه * على أمها وإن تخاطبك تبلت
يصف امرأة بالخير وكثرة الحياء وقلة الالتفات . يقول : إذا مشت في طريقها ؛ وهو أمها ؛ لا يجاوز بصرها موضع قدميها كأنها تطلب في الأرض نسيا ؛ وهو الشيء الحقير الذي لا يعبأ به ؛ أو الشيء المتروك حتى ينسى . كذا فسر قوله تعالى :
نَسْياً مَنْسِيًّا
[ مريم : 23 ] وقرئ : ( نسيا ) بفتح النون لغة فيه ، وتقديره ذات نسي ؛ أي : منسية لا أذكر . والنسى أيضا : اللبن المخلوط بالماء ، فكأنها قالت : يا ليتني مثل هذا اللبن المخلوط في قلته وصغر قدره . واللّه أعلم . وقوله في البيت : تقصه ، أي : تتبع أثره .
وكذلك فسر قوله تعالى :
وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ
[ القصص : 11 ] أي : اتبعي أثره .
وقوله : وإن تخاطبك تبلت . يقول : من شدة الحياء لا تستطيع تتم الحديث بل تقطعه ، ويروي : تبلت - بفتح اللام - تتقطع هي حياء ، ومعنى تبلت : - بالكسر - تبتل فهو من المقلوب ، كما قالوا : جذب وجبذ ، وهذا كله مثل : بلت وتبل ، فوزن تبلت على هذا تفلع ، وأصل البتل : القطع . ومنه : صدقة بتلة ، ومنه : العذراء البتول ، أي : التي لا حاجة لها في الرجال ، وكذلك البتول وهي : الفسيلة التي استغنت عن النخلة ، والنخلة حينئذ مبتل ، وربما قالوا لتلك الفسيلة : بتيلة ، والبتيلة أيضا : كل عضو بلحم . والجمع : بتائل .
ويقال : امرأة مبتلة ؛ بتشديد التاء مفتوحة ؛ أي : تامة الخلق لم يركب لحمها بعضه بعضا ، ولا يوصف به الرجل . وقد تقدّم :
مبتلة الأعضاء زانت عقودها * بأحسن مما زينتها عقودها
ومن البتل قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : عمرة بتيل وحجة بتيل ، أي :
مفردة . فكان من مذهبه إفراد الحج من العمرة . وأصل البتل : إبانة الشيء وتمييزه عنه ، فإن قدمت التاء قلت : تبل ، والتبل : العداوة . يقال : تبلهم الدهر ، وتبلهم : رماهم بصروفه ، والمرأة تبتل فؤاد الرجل ، قال الشاعر :
تبلت فؤادك في المنام خريدة * تشفي الضجيع ببارد بسام
وتوبلت القدر : جعلت فيها التابل .
وأما أم : فأمر من هذا الفعل . وكذلك إذا بنيته لما لم يسم فاعله .
بقي : آم الرجل ، وليس من كلمات البيت ، ومعناه : صار أيما . تقول : آمت المرأة