ملة فجلسنا نأكل منها ، ثم نظر أحدنا في عطفيه أسمن بعد . ومعنى أجهضناهم :
أعجلناهم . والملة عند العامة : الخبزة . وإنما الملة : الرماد المحمى ، فإن سميت الملة خبزا فجاز على تقدير خبز ملة .
وقال أبرويز - وهو كسرى - لهوذة بن علي وقد أعجبه كلامه : ما غذاؤك في بلادك ؟ . قال : الخبز . قال كسرى : هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر . وكان الذي أعجبه منه سأله عن أحب أولاده إليه فقال : الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى يقدم ، والمريض حتى يبرأ . وسمي عبد اللّه بن خبيب العنبري آكل الخبز لاقتصاره عليه ورغبته فيه بدلا عن غيره . وكذلك كان سالم بن عبد اللّه قال له هشام مرة : ما غذاؤك ؟ .
قال : الخبز بالزيت . قال : أما تأجمهما ؟ . قال : إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما . قوله :
أجمتهما معناه كرهتهما . ومنه قول كعب بن زهير في صفة السيوف : قد أجمن الجفونا ؛ أي : كرهن المقام فيها ، والجفون : هي الأغمدة . فانظر قدره عند من تقدّم كيف كان .
فسبحان اللّه ما أقل شكرنا وأكثر كفرنا . صدق اللّه حيث يقول :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] .
فصل : [ تقدّم أن الملائكة يبعثها اللّه تعالى إلى الحبوب المستودعة في بطون الأرض . . . ]
تقدّم أن الملائكة يبعثها اللّه تعالى إلى الحبوب المستودعة في بطون الأرض .
قال بعض العلماء : كل جزء من أجزاء الإنسان ؛ بل من أجزاء النبات ، لا يغتذي إلا أن يوكل اللّه به سبعة من الملائكة ، هذا أقلهم إلى عشرة ، إلى مائة ، إلى ما وراء ذلك . لأن الملائكة صلوات اللّه عليهم ليسوا كبني آدم ، يعملون أعمالا كثيرة ، إنما لكل واحد منهم عمل واحد على انفراده ، تصديق ذلك :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ، وكذلك في التسبيح والركوع والسجود والقيام ، لا يعدو أحد ما جعل له .
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله : كل ميسر لما خلق له : وقال اللّه تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الذاريات : 21 ] ، ألم يك نطفة من ماء مهين ، أراك اليوم ذا لحم وعصب وعظام وشعر وبشر وألوان شتى . تقول وحدها تخلقت إلى هذه الخلق ! لا ورب الفلك ، كأنك لم تسمع في حديث النطفة : يأخذها الملك بيده فيقول :
يا رب نطفة ، يا رب علقة ، يا رب مضغة ، يا رب كذا ، يا رب كذا ، فما الرزق ؟ فما العمل ؟ فما الأجل ؟ فيأمر إليه ، ويكتب الملك . الحديث بكماله . أوليس مصداقه في كلام اللّه :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ