يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، ومعلوم أن معنى الكفر التغطية . كما يقال للليل : كافر ، وللبحر : كافر ، أي : ساتر . ويقال للزراع : كفار ، كما قال تعالى :
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
[ الحديد : 20 ] أي : الزراع ، لأنهم إذا ألقوا البذر في الأرض كفروه ؛ أي :
غطوه . ولهذا سمي الكافر الحقيقي : كافرا ، لأنه يغطي الحق بزعمه .
ومن نعم اللّه على العبد بعد معرفته بجميع ما تقدّم : نعمة الإسلام والإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وحفظ القرآن إن أعطيه ، كما جاء : من آتاه اللّه القرآن فذكر أن أحدا أغنى منه فقد استخف بما أنزل اللّه . ومن لم يتغن بالقرآن فليس منا . وقد تقدم هذا .
وكما يروى أن رجلا اشتد به الفقر حتى أحزنه ، فرأى في المنام قائلا يقول له :
تودّ لو أنا أنسيناك سورة الأنعام ولك ألف دينار ؟ . قال : لا . قال : فسورة كذا ولك كذا ، حتى ذكر له عددا قال له في آخر ذلك : معك ما قيمته مائة ألف وأنت تشكو الفقر .
ومثل هذا شكى رجل إلى بعض العلماء فقره فقال : أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا . قال : فأخرس ولك كذا ، وأقطع ولك كذا ، وقال في آخر ذلك :
للّه عندك عروض بخمسين ألفا وأنت تشكوه ! . وفوق هذا من يرى ما أنعم اللّه عليه به من المعرفة والإيمان فوق جميع ما ذكر .
ويقول : ما من مصيبة تصيب العبد إلا وللّه فيها خمس نعم : الأولى أنها لم تكن أكبر منها ، والثانية أنها كانت عليه فاستراح منها ، والثالثة أنها عجلت له في الدنيا ولم تؤخر إلى الآخرة ، والرابعة أنها كانت في ماله أو بدنه ولم تكن في دينه ، والخامسة أن ثوابها أكبر منها . وهذا الباب كبير والقول فيه كثير . ولا بد أن أذكر لك منه شيئا هنا ، واللّه الموفق ربنا وإلهنا .
فصل : [ للّه تعالى على العبد نعم خاصة وعامة . . . . ]
للّه تعالى على العبد نعم خاصة وعامة .
ومن نعم اللّه الخاصة : أنه ما من عبد إلا ولو أمعن النظر في أحواله لرأى من اللّه تعالى نعما تخصه لا يشاركه فيها أحد ، وذلك يعترف به كل عبد في ثلاثة أمور : في العقل ، والخلق ، والعلم .
أما العقل : فما من عبد للّه تعالى إلا وهو راض من اللّه في عقله ، يعتقد أنه أعقل الناس ؛ وإن لم يكن كذلك . وقلما يطلبه من اللّه ؛ وإن كان خاليا منه . ألا تراه يقول لغيره : لو عملت كذا وكذا ، فيقول هذا : لا - وهو يريد أنه أعقل منه وأشد نظرا - . فإذا كان عند نفسه أعقل الناس ، فينبغي أن يشكر اللّه تعالى على هذه النعمة عنده . ومثله