يستملحه ، فدعه كما وقع على ما به من صحة أو فدع وخذ كله أو فدع ، اللهم إلا من أراد أن يعلق منه نتفا فعنه الحرج قد انتفى ، لأني أعلم أن الطالب إذا رأى شيئا أعجبه لا بدّ وأن يكتبه ، وبعد كتبه إياه يحفظه ويمدحه ويقرظه ، وقد بلغ بأحدهم الإفراط في مدح كلام سمعه من غيره فقال : أأكتبه ؟ فقال : نعم اكتبه في الأوراق فإن مثله يكتب نقشا بالخناجر في الأحداق . فأوّل من يناله نفع هذا الكتاب إن شاء اللّه أنا وأرجو بذلك عند اللّه أجرا وهنا ، أتذكر به ما شرد وأتعلم به ما ورد ، ويكون بابا من العلم قد أحرزته وجزءا منه قد حويته ، لأنه ليس لك من العلم إلا ما حفظته لا ما كتبته ، وأحسن من محفوظك ما سمع من ملفوظك ، لأنه يقال العالم يكتب أحسن ما يسمع ويحفظ أحسن ما يكتب ويتكلم بأحسن ما يحفظ ، وبضدّ هذا ما وصف به بعضهم رجلا فقال :
يغلط في علمه من وجوه أربعة : يسمع غير ما يقال له ، ويحفظ غير ما يسمع ، ويكتب غير ما يحفظ ، ويحدّث بغير ما يكتب . وقال أعرابي : حرف في تامور قلبك أحسن من عشرة في كتبك ، والتامور : علقة القلب ، وفي مثل هذا ينشد :
إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب لا ينفع
أتحضر في مجلس جامع * وعلمك في الدار مستودع
وقال الخليل بن أحمد : اجعل ما في كتبك رأس مال وما في قلبك للنفقة . وكنت أقرأ بإشبيلية على رجل فاضل رحمه اللّه فيسألني عن المسألة فربما أتوقف فيقول :
عجل بالجواب الرفقة سائرة ، فأقول : ما معنى هذا ؟ فيقول : ربما تسأل وأنت في الطريق .
وقالوا : العلم ما عبر معك الوادي وعمر بك النادي ، وكما يقال في الكلام ، العلم ما تدخل به الحمام ، ولي في هذا المعنى :
لا تودعن علمك يا حاذق * في صحف يسرقها السارق
بل صدرك اجعله وعاء له * مفتاحه مقولك الناطق
حينئذ إن قال عنك امرؤ * إنك تدري فهو الصادق
باللّه قل لي يا فتى إن تسل * عن قصة صاحبها طارق
وقال عجل قل لنا شرحها * الركب عني ذاهب زاهق
والعلم في بيتك مستودع * في كتب منظرها رائق
كيف ترى حالك هل فوق ذا * من خجل يرمقه الرامق
لآخر في صدره علمه * وهو بما يحفظه واثق
إن سيل كان القول في شدقه * لكل ما يفتقه راتق