ماله وودع أهله وانصرف ، وقد وافق قدومه يوم تمام المدّة ، فلما استأذن على الملك أمر بإحضارهما معا وقال للضامن : ما حملك على ضمانه والمخاطرة بنفسك في شأنه ، ولو تأخر ساعة لسبق السيف العذل ؟ قال له : أيها الملك ما رأيت وقد وثق بي أن أخالف ظنه فيّ ، فرجع إلى المضمون وقال له : ما حملك بعد تخلصك على المجيء وقد علمت المراد بك ؟ قال : لم يكن يجمل بي أن أراه بمكان الثقة فيراني بمكان الغدر ، فعجب من وفائهما جميعا وعفا عنهما ، ورفع بؤس ذلك اليوم فلم يقصده بعد .
وكان يذكر أن ربعي بن خراش رضي اللّه عنه لم يكذب قط ، فأقبل ابناه من خراسان ، وكان الحجاج يجدّ في طلبهما ، فأعلمه بعض العرفاء بوصولهما ، فبعث الحجاج إلى ربعي ليختبر حقيقة ما وصف به ، فلما جاءه قال له : أيها الشيخ ، قال له : ما تريد ؟ قال له : ما فعل ابناك ؟ قال : اللّه المستعان ، هما في البيت ، قال الحجاج : لا جرم واللّه لا أسوؤك فيهما أبدا ، هما لك . وربعي هذا هو الذي آلى أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار . قال الحارث الغنوي ، وهو الذي روى هذا الحديث عنه :
فلقد أخبرني غاسله عنه أنه لم يزل متبسما على سريره وهو يغسله حتى فرغنا منه .
وكذلك كان أخوه ربيع بن خراش آلى أيضا أن لا تفتر أسنانه ضاحكا حتى يعلم أين مصيره ، قال : فما ضحك إلا بعد موته . وكان لهما أخ تكلم بعد موته بكلام حسن ، فيه رجاء وخير والحمد للّه .
ذكر هذه الأخبار الإمام أبو بكر بن عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه بن أبي الدنيا في كتاب الآيات ومن تكلم بعد الموت ، والكتاب قرأته على أبي الحسن علي بن مؤمن القرطبي ، لقيته بمكة شرفها اللّه تعالى ، وقرأت عليه ، وأجازني رضي اللّه عنه .
أذكرني حديث ربعي رضي اللّه عنه قول اللّه تعالى :
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
[ الكهف : 82 ] ، انظر كيف أنجى اللّه الابنين بصلاح أبيهما ولم يسؤه فيهما ، وقد كان حصلا من الأسد في شدقه فخلصهما اللّه بصدقه ، إذا فلا سلاح أحسن من الصلاح ، ولا جنة أوقى من التقى ، وانظر ماذا حصل لتمام من الآثام ، ولم ينا في نمه سوى أن شرق بهمه وغرق في يمه ، ولم يثبت به في قلب من سمعه من المحبة وزن حبه ، فقل يا بنيّ عبد الرحيم لذلك النمام الرجيم :
الفلس لست تساوي * إذا عملت المساوي
بل أنت للشيخ إبل * س في الفعال المساوي
فاحذر طريق المعاصي * فإن فيها مهاوي
وكل من سار فيها * فإنه ثم هاوي