في جناية جناها ، فدعا بالسيف والنطع ، وكان تميم رجلا وسيما يملأ العين ، فلما رآه المعتصم أراد أن يعلم أين لسانه وجنانه من منظره ، فقال له : يا تميم تكلم ، وإن كان لك عذر فأت به ، وإن كان لك حجة فأدل بها ، فقال : أما وقد أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول ، وذكر خطبة بليغة يقول فيها بعد كلام حسن : إن الذنب يخرس اللسنة ، ويصدع الأفئدة ، وأيم اللّه لقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن ، ولم يبق إلا العفو أو الانتقام ، وأرجو أن يكون العفو أقربهما منك وأسرعهما إليك وأولاهما بك وأشبههما بخلائقك ، ثم أنشأ يقول :
أرى الموت بين السيف والنطع كامنا * يلاحظني من حيث لا أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي * وأيّ امرئ مما قضى اللّه يفلت
وأيّ امرئ يدلي بعذر وحجة * وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن ثعلب موقف * يسل عليّ السيف فيه فأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني * لأعلم أن الموت شيء موقت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم * وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم * وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة * أذود الردى عنهم وإن مت موّتوا
وكم قائل لا يبعد اللّه داره * وآخر جذلان يسر ويشمت
فضحك المعتصم وقال : كاد واللّه يا تميم أن يسبق السيف العذل ، اذهب فقد وهبتك للصبية وعفوت عن الهفوة ، وخلع عليه وعقد له على شاطئ الفرات وأحسن وأجمل السيرة . ومثل قول تميم :
وما جزعي من أن أموت وإنني
قول الدراج الضبابي :
فلا السجن أبكاني ولا القيد شفني * ولا أنني من خشية الموت أجزع
بلى إن قوما قد أخاف عليهم * إذا مت أن يعطوا الذي كنت أمنع
ذكر البيتين ثابت في الدلائل ، وساق عليهما حكاية شريفة ، حدّث عن بعض القرشيين أنه قال : لما قدم علينا عبد الرحمن بن الضحاك واليا بالمدينة ؛ اجتمع إليه القرشيون ، فقال : يا معشر قريش ، لكم عندي ثلاث لعلي أن أقصر ، قالوا : فما هنّ ؟ .
قال : واللّه لا يأتيني فيكم خير إلا عجلته ولا شرّ إلا أخرته ، ولا أطلع على سرّ منكم من وراء حجاب ، وكان واللّه على أكثر مما قال ، وولينا سنتين وبعض أخرى ، ثم أتاه العزل ، فاجتمعنا إليه كاجتماعنا له قبل ولايته ، فاستعبر وانتحبنا حوله ، فقال : أيكم ينشد قول