حبيب اللّه تعالى . وقد قيل : من عمل بما يعلم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم . وقالت الحكماء : قال العلم : التمسني فإن لم تجدني فاعمل بأحسن ما تعلم ، فإذا فعلت فأنا معك . وما أمدح هذا البيت :
حاز الشريفين من علم ومن عمل * وقلّما يتأتّى العلم والعمل
وأقول :
تريد تدرك هذا * وأنت في اللهو تدرج
هيهات رمت محالا * ما ذا بعشّك فأخرج
ولقد أبلغ الذي قال :
دنوت للمجد والساعون قد بلغوا * جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا الجدّ حتّى ملّ أكثرهم * وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تدرك المجد حتّى تلعق الصبرا
بعيد أن يناله أهل اللهو والبطالة ، ما يناله إلا الحازمون أولو العقول . وللّه درّ الذي يقول :
شروط العلم أربعة * فأوّلها التفرّغ له
ودرس ثمّ فهم ثمّ * حملكه عن الحمله
شروط من تكن فيه * وإلا لم ينل أمله
فالعلم إذا أعطيته كلّك أعطاك بعضه . وقلت في هذا المعنى :
اعلم بأنّ العلم ذو همّة * وهو عزيز النّفس ذو غيره
ينيلك البعض من أنواره * إن لم تكن مصطحبا غيره
وإن تكن مشتغلا مقبلا * على سواه لم تنل خيره
فاطرح الأشغال واعكف على * تحصيل ما يعطى وسر سيره
واحفظه واذكره ولا تنسه * واعمل به تنج من الحيرة
وإذا كان العلم بهذه الصفة التي وصفه بها أهل المعرفة ، فكيف ينقاد لأهل الرقاد ، وهل قط وصل الذي كسل ؟ أيستوي من درس وتعب مع من لها ولعب ؟ هيهات همّ هذا ضرسه وذاك طرسه ، كذلك بينهما ما بين التبر والترب والسمك السماك في القيمة والقرب ، وجماع الأمر وملاكه ، وفيه يتبيّن حياة المرء وهلاكه ، من كان همّه بطنه وفرجه فلا ترجه . لذلك قلت :
إذا أعطيت بطنك ما اشتهاه * وفرجك سؤله أنت البهيمة
وأخشى أن يقال غدا لك اذهب * فما لك عندنا واللّه قيمه