الشاعر :
يلومونني إن رحت للعلم طالبا * أجمع من عند الرواة فنونه
وأكتب أبكار العلوم وعونها * وأحفظ مما أستفيد عيونه
فصل : ومما كتبته في كتاب لبعض الأصحاب
اعلم أيها المتعلّم أنّ العلم إنّما هو بالتعلّم مع توفيق العلّام ذي الجلال والإكرام ،
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 4 - 5 ] .
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النحل : 78 ] . فمن شكر اللّه زاده وجعل التّقوى زاده .
ومن اتّقاه علّمه وأراده وفهّمه ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] .
وقال بعض الشعراء وكان قد رجع في حفظه إلى وراء :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي وقال * فأومأ لي إلى ترك المعاصي
بأنّ هذا العلم نور * ونور اللّه لا يؤتاه عاصي
ولكل شيء سبب ، وسبب العلم التعلّم ، وهو لا ينال بالتراخي ، ولا يدرك بالهوينا ؛ بل بالجدّ والعزم والقوّة والحزم ، كما قال تعالى :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
[ مريم : 12 ] . وقال الشاعر :
أعكف على الكتب وادرس * تؤتى فخار النبوّه
فاللّه قال ليحيى * خذ الكتاب بقوّه
وفي كتاب مسلم بن الحجاج رحمه اللّه : لا ينال العلم براحة الجسم . وقديما ما زال أهل العلم والأدب ينسلون إليه من كل حدب ، يجتنون أزهاره ويقطفون ثماره ، يستكثرون منه بلحظه ويؤثرون ولو لفظه ، يدأبون في جمعه وضمّه وينصبون في حفظه وفهمه . حتى أن أحدهم إذا كانت له به صبابة ونال منه أدنى صبابة ، جعله أكبر همّه وفداه بأبيه وأمّه ، ولم ينكب عن أمّه بل واصل فيه ليله بنهاره حتى وصل إلى أنهاره ، وأذاب مهجته حتى اقتحم لجّته ، فاستطاب فيه العذاب لما ورد مياهه العذاب ، واستسهل ما ناله فيه من العنا حين أوقفه على المنى ، فقال :
فهذا الصّنف في الدّنيا قليل بحقّك * لعمرك بل أقلّ من القليل بعصرك
هل رأيت لذا شبيها * ذا أبن لي يا خليلي
من يضاهي هذا أو يجاريه وقد علا القمر في مجاريه ، فإن أضاف إلى العلم العمل فقد نال الأمل ورحل إلى زحل وسما إلى السما ولحق بالملأ الأعلى وكان