وقال الحسن رحمه اللّه في قوله تعالى :
إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً
[ الفرقان :
65 ] كل غريم مفارق لغريمه إلا النار أعاذنا اللّه تعالى منها . والغرامة ما يلزم الإنسان أداؤه ، وكذلك الغرم والمغرم ، وأغرمته وغرمته بمعنى واحد .
وتقدّم أيضا من مقلوبها : رغم أنفه ، إذا ذلّ ، وأرغم اللّه أنفه ، ومن دعاء العرب :
رغما دغما شنفا ، فسره أبو الحسن رحمه اللّه : رغما أي رغم اللّه أنفه ، ودغما مثله ، وشنفا توكيد ، انظره في الذيل .
وفي الحديث من هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي ذر رضي اللّه تعالى عنه : ما من عبد قال لا إله إلا اللّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق ، ثلاثا ، ثم قال في الرابعة : على رغم أنف أبي ذر ، قال : فخرج أبو ذرّ وهو يقول :
وإن رغم أنف أبي ذرّ . وقد تكلم الناس على هذا الحديث وفسروه منهم البخاري خرّج هذا الحديث وقال في آخره : هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال لا إله إلا اللّه غفر اللّه له . انتهى كلامه .
قلت : والذي عليه أولو العزم وذوو الحزم أن لا يغترّ به أحد فيستسهل الزنا والسرقة لأنه قال عليه الصلاة والسلام ثم مات على ذلك ، لأنه يخاف على العاصي المصرّ أن يبدل به عند الخاتمة ، نعوذ باللّه من ذلك ، وقال : إلا دخل الجنة ، ولم يقل : لم يدخل النار ، فيحتمل أن يدخل الجنة بعد أن يخرج من النار .
وقد صح أن طائفة من الموحدين يدخلون النار إلا أن اللّه برحمته نفعهم بتوحيدهم فأماتهم فيها إماتة ، كما جاء في حديث الشفاعة ، وهؤلاء هم أهل الكبائر والزنا والسرقة ، وهم الذين يخرجون من النار بالشفاعة ، وشرّ من النار الخلود في النار .
يروى أن الحسن بن أبي الحسن رضي اللّه عنه ذكر رجلا يخرج من النار بعد ألف سنة فقال : يا ليتني ذلك الرجل ، حمله خوف الخلود في النار على أن قال هذه المقالة ، ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام : ثم مات على ذلك ، تائبا مما كان منه قبل من الزنا والسرقة ، واللّه أعلم . وسيأتي الكلام على ذلك في باب الألف واللام إن شاء اللّه تعالى .
وتقدّم أيضا زعم ، وهذه اللفظة لم تأت في القرآن إلا في موضع الذم مثل قوله تعالى :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
[ التغابن : 7 ] و
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
[ النساء : 60 ] و
هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ
[ الأنعام : 136 ] وغير ذلك .