رَآهُ اسْتَغْنى
[ العلق : 6 - 7 ] . وأحسن ما رأيت في هذا المعنى قول من نسبه صديقه من أهل الغنى :
أظنّك أطغاك الغنى فنسيتني * ونفسك والدنيا الدنية قد تنسي
فإن كنت تعلو عند نفسك بالغنى * فإني سيعليني عليك غنى نفسي
وقلت هذا أيضا قبل أن أرى شعر المعري ، ثم رأيته فإذا فيه هذا الغرض ، قال رحمه اللّه :
وما قلت مالا قط إلا ومال بي * ولا درهما إلا ودرّ لي الهم
ولذلك قالوا : ما زاد على الكفاف فهو فقر ، لأنك تفتقر إلى حفظه وإلى تثميره ، والغنى على الحقيقة هو الكفاف ، ألم تسمع إلى قوله عليه الصلاة والسلام : اللهم إني أسألك غناي وغنى مولاي . قال الشاعر :
غنى النفس ما يكفيك من سدّ خلّة * فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
ولي أيضا من قطعة أخرى مطولة كذلك ، وقد رأيت رجلا اهتم بدرهم أعطي من داره لأناس في ختان أو نفاس :
درّهم أن منك أخرج درهم * في سرور فكيف تصنع في الهم
ولي أيضا من نوع ما تقدّم :
درّهم يا صاح تصحيف درهم * فاكتسبه إن كنت تحتمل الهم
ثم معكوسه مهرد فاعلم * وهو فأل فمر عليه أو أحجم
هبك تقوى على احتمالك للهم * أمهرد يأتي عليك وتسلم
يا أخي اسمع وصاة خلك وافهم * ثمت اختر لنفسك الأمر الأقوم
اجتلبه تقدم على ما تقدّم * اجتنبه تسلم وتظفر وتغنم
وسئلت تذييل هذين البيتين :
إذا ما شئت أن تنعم * بلا همّ ولا مأثم
فلا تجنح على حال * إلى الدينار والدرهم
فقلت :
وخلّ النّاس لا تعنى * بأمرهم ولا تهتم
ولا تشغل بذكرهم * بمدح فيهم أو ذم
فكل مضرّة تأتي * فمن قبل الذي تعلم
تجنّب كلّ من تدري * لعلّك منه أن تسلم
فصحبته أضرّ علي * ك يا هذا من الأيهم