بذلك الشعر في ضرب من البلاغة ذكره . وسيأتي ذلك الشعر في هذا الكتاب إن شاء اللّه ، لأنه أعجبني فحفظته ، وبعد حفظه فيه أثبته . ولي أيضا في مثل ذلك الإنشاد ، على غرضي استشهاد ، بيني وبين أبي الفضل هذا في الإسناد ، شيخي الأجلّ الرفيع العماد ، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحميري عرف بابن قرقول رحمه اللّه . لقيته وسمعت عليه وأجازني بجميع ما لديه .
رجع الكلام بعد فائدة ، على ما تقدّم زائدة . وربما ذكرت من شعري ما يليق بالباب ، وإن لم يعدّ في اللباب ، لكن للمرء بشعره شغف ، وإن لم يكن ذا شرف ، كما يعجب بابنه وهو الجون ، ومن غير اللون ، ألم تسمع قول بعضهم : والمرء يعجب بابنه وبشعره ، نعم ويطيب له غناؤه ، وإن طال فيه عناؤه ، ويولع بتصنيفه ، ويأبى من تعنيفه ، إياك أعني يا مؤلف الكتاب ، تاب اللّه على جميعنا أحسن متاب .
ولي في هذا المعنى مما كتبت به إلى الفقيه الخطيب ، أبي محمد عبد الوهاب بن علي رضي اللّه عنه أعرض عليه شعرا قلته بعد كلام ، ولا غرو كل امرئ مادح لهرّه ومعجب بشعره .
وأنا الذي أقول :
كل امرئ يعجبه شعره * حتّى يراه ناقد غيره
في أبيات ذكرتها بكمالها في كتاب سميته : تكميل الأبيات وتتميم الحكايات مما اختصر للألبا ، في كتاب ألف با ، وقد ذكرت سببه في أوّله فانظره هناك إن أردته ، وباللّه التوفيق . وما أحسن ما به اعتذر صاحب كتاب الزهر حيث قال :
ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن * هو بابنه وبشعره مفتون
لكن يا بني إن العاقل رحل عن هذه المعاقل ونزل بها الجاهل فعادت كالمجاهل ، فقلت :
أحسن اللّه لي عزائي بنفسي * إن يكن يحسن العزاء لمذنب
تدري من العاقل في هذا المعنى ؟ ابن المقفع ، الذي ارتدى بعقله وتلفّع ، ومع هذا فعن الشعر ترفّع ، وكان من البلاغة في قلمه ولسانه ، حيث لا يبلغه أحد من أهل زمانه ، قيل له : ما لك لا تقول الشعر ؟ قال : الذي أرضاه لا يجيء ، والذي يجيء لا أرضاه . وقيل للمفضل : لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به ؟ قال : علمي به يمنعني من قوله ، وأنشد :
أبى الشعر إلّا أن يفيء رديه * عليّ ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتني إذ لم أجد حوك وشيه * ولم أك من فرسانه كنت مفحما