فباعد اللّه كلّ البعد داركم * ولا شفاكم من الأضغان والحسد
فرأى عصيانهم الكبير من أقبح العيب وأدلّه على ضغن بعضهم لبعض وحسد بعضهم بعضا ، والوضيع ينقلب إلى الشريف ، لأنه يرى مقاولته فخرا والاجتراء عليه ربحا ، كما أن مقاولة الشريف اللّئيم ذلّ وضعة . وقال الشاعر :
إذا أنت قاولت اللّئيم فإنما * يكون عليك العتب حين تقاوله
ولست كمن يرضى بما غيره الرضا * ويمسح رأس الذئب والذئب اكله
وسنشبع في هذا المعنى إن شاء اللّه . وفي هذا الشعر بيت يقدّم في باب الفتك وهو :
فلا تقربن أمر الصريمة « 1 » بامرئ * إذا رام أمرا عوّقته عواذله
( وقل للفؤاد إن ترى بك نزوة * من الروع أفرخ أكثر الروع باطله )
الصريمة العزيمة وقد امتنع قوم من الجواب تنبّلا ومواضعهم تنبئ عن ذلك ، وامتنع قوم عيّا بلا اعتلال ، وامتنع قوم عجزوا واعتلوا بكراهة السفه وبعضهم معتلّ برفعة نفسه عن خصمه وبعضهم كان يسبّه الرجل الركيك « 2 » من العشيرة فيعرض « 3 » ويسبّ سيد قومه . وكانت الجاهلية « 4 » ربما فعلته في الدخول .
قال الراجز :
إن بجيلا كلّما هجاني * مت على الأغطش أو أبان
أو طلحة الخر فتى الفتيان * أولاك قوم شأنهم كشاني
ما نلت من أعراضهم كفاني * وإن سكتّ عرفوا احساني
وقال أحد المحدثين :
هامش
( 1 ) الصريمة : العزم وقطع الأمر .
( 2 ) الركيك : الضعيف .
( 3 ) فيعرض : يريد أنه يترك ذلك الركيك ويذهب إلى سيد قوم ذلك الرجل فينسبه وينتقم لنفسه منه .
( 4 ) وكانت الجاهلية ربما فعلته : يريد أنهم كانوا يأنفون أن يأخذوا الثأر من الوضيع إذا جنى جناية ولكن يذهبون إلى الشريف من قومه فيأخذون بالثأر منه فيكون في ذلك شفاء لأنفسهم .