يا خير إخوانه وأعطفهم * عليهم راضيا وغضبانا
أمسيت حزنا وصار قربك لي * بعدا وصار اللقاء هجرانا
إنا إلى اللّه راجعون لقد * أصبح حزني عليك ألوانا
حزن اشتياق وحزن مرزئة * إذا انقضى عاد كالذي كانا
قوله : يا خيرا إخوانه محال وباطل . وذلك أنه لا يضاف أفعل إلى شيء إلا وهو جزء منه . وقال أيضا :
دعوتك يا أخيّ فلم تجبني * فردّت دعوتي حزنا عليّا
بموتك ماتت اللّذّات مني * وكانت حيّة إذ كنت حيّا
فيا أسفي عليك وطول شوقي * إليك لو أن ذاك يردّ شيّا
وحدثني رجل من أصحابنا ، قال شهدت رجلا في طريق مكة معتكفا على قبر يردّد شيئا ودموعه تكف من لحيته « 1 » ، فدنوت إليه لأسمع ما يقول فجعلت العبرة تحول بينه وبين الإبانة . فقلت له : يا هذا ! فرفع رأسه إليّ ، وكأنما هبّ من رقدة فقال : ما تشاء ؟ فقلت : أعلى ابنك تبكي ؟ قال : لا . قلت : فعلى أبيك ؟ قال : لا ، ولا على نسيب ولا صديق ، ولكن على من هو أخصّ منهما ، قلت : أو يكون أحد أخص ممن ذكرت ؟ قال : نعم ، من أخبرك عنه ، إن هذا المدفون كان عدوّا لي من كل باب : يسعى عليّ في نفسي ، وفي مالي ، وفي ولدي فخرج إلى الصيد أيأس ما كنت من عطبه وأكمل ما كان من صحته ، فرمى ظبيا فأقصده فذهب ليأخذه فإذا هو قد أنفذه حتى نجم سهمه من صفحة الظبي فعثر فتلقّى بفؤاده ظبة السهم فلحقه أولياؤه فانتزعوا السهم ، وهو والظبي ميّتان فنمى إليّ خبره فأسرعت إلى قبره مغتبطا بفقده ، فإني لضاحك السنّ إذ وقعت عيني على صخرة فرأيت عليها كتابا فهلمّ فاقرأه ، وأومأ إلى الصخرة ، فإذا عليها :
وما نحن إلا مثلهم غير أننا * أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا
هامش
( 1 ) تكف من لحيته : تقطر وتسيل .