موسى . قال أبو العباس : وكان بلال داهية « 1 » لقنا « 2 » أديبا . ويقال إن ذا الرمّة لما أنشده :
سمعت الناس ينتجعون غيثا * فقلت لصيدح انتجعي « 3 » بلالا
تناخي عند خير في يمان * إذا النكباء « 4 » نوحت الشمالا
فلما سمع قوله : فقلت لصيدح انتجعي بلالا . قال : يا غلام مر لها بقتّ ونوى . أراد أن ذا الرمّة لا يحسن المدح . قوله : سمعت الناس ينتجعون حكاية ، والمعنى إذا حقّق إنما هو سمعت هذه اللفظة أي قائلا يقول : الناس ينتجعون غيثا ، ومثل هذا قوله :
وجدنا في كتاب بني تميم * أحقّ الخيل بالركض « 5 » المعار « 6 »
فمعناه وجدنا هذه اللفظة مكتوبة . فقوله : أحقّ الخيل ، ابتداء ، والمعار خبره ، وكذلك الناس ابتداء وينتجعون خبره . ومثل هذا في الكلام : قرأت الحمد للّه ربّ العالمين ، إنما حكيت ما قرأت . وكذلك : قرأت على خاتمه اللّه أكبر يا فتى ، فهذا لا يجوز سواه . وقوله : إذا النكباء ناوحت الشمالا ، فإن الرياح أربع ، ونكباواتها أربع وهي : الريح التي تأتي من بين ريحين فتكون بين الشمال والصبا ، أو الشمال والدبور ، أو الجنوب والدبور ، أو الجنوب والصبا . فإذا كانت النكباء تناوح الشمال فهي آية الشتاء ، ومعنى تناوح تقابل .
يقال : تناوح الشجر إذا قابل بعضه بعضا . وزعم الأصمعي أن النائحة بهذا سمّيت ، لأنها تقابل صاحبتها . وقال يحيى بن نوفل الحميريّ ويقال إنه لم يمدح أحدا قط :
هامش
( 1 ) الداهية : من الدهاء وهو الأدب وجوده الرأي .
( 2 ) اللقن : بكسر القاف سريع الفهم ، حسن التلقن لما يسمعه .
( 3 ) الانتجاع : والنجعة بالضم طلب الكلأ ومساقط الغيث .
( 4 ) النكباء : الريح الواقعة بين ريحين .
( 5 ) الركض : حث الفرس على العدو ثم كثر حتى استعمل في العدو نفسه .
( 6 ) المعار بالضم الفرس المضمر أو المنتوف الذنب أو السجي .