قد حلب الدهر أشطره ، أي قد قاسى الشدّة والرخاء وتصرّف في الفقر والغنى كما قال القائل :
قد عشت في الناس أطوارا على طرق * شتّى وقاسيت فيها اللّين والفظعا « 1 »
كلّا بلوت فلا النعماء تبطرني * ولا تخشّعت من لأوائها « 2 » جزعا
لا يملأ الهول صدري قبل موقعه * ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا
ومعنى قوله أشطره فإنما يريد خلوفه يقال : حلبتها شطرا بعد شطر وأصل هذا من التنصّف لأن كل خلف عديل لصاحبه وللشطر وجهان في كلام العرب فأحدهما النصف كما ذكرنا من ذلك قولهم : شاطرتك مالي والوجه الآخر القصد يقال : خذ شطر زيد أي قصده .
قال اللّه عزّ وجل
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
« 3 » أي قصده وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره ، قال أبو العباس : وأنشدني التوّزيّ عن أبي عبيدة قول الشاعر :
إنّ العسير بها داء مخامرها * فشطرها نظر العينين محسور
يريد ناحيتها وقصدها والعسير التي تعسر بذنبها إذا حملت أي تشيله وترفعه ، ومنه سمّي الذنب عوسرا أي تضرب بذنبها ، ومعنى ذلك أنه ظهر من جهدها وسوء حالها ما أطيل معه النظر إليها حتى تحسر العينان والحسير المعيي وفي القرآن
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
« 4 » وقوله : سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ، فالسجل في الأصل الدلو وإنما ضربه مثلا لما فاض عليها من ندى أقارها يقال للدلو وهي مؤنثة سجل وذنوب وهما مذكّران
هامش
( 1 ) الفظعا : مصدر فظع الأمر من باب تعب إذا استعظمه ولم يثق بأن يطيقه وفظع بالأمر أيضا ضاق به ذرعا .
( 2 ) لأوائها : الشدة .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 144 .
( 4 ) سورة الملك : الآية 4 .