أهيم بدعد ما حييت وإن أمت * فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي
فقالوا : أنت واللّه أشعر الثلاثة يا أمير المؤمنين . وقد فضّل نصيب على الفرزدق في موقفه عند سليمان بن عبد الملك ، وذلك أنهما حضرا فقال سليمان للفرزدق : أنشدني . وإنما أراد أن ينشده مدحا له فأنشده :
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم * لهاترة من جذبها بالعصائب « 1 »
سروا « 2 » يخبطون الريح وهي تلفّهم * إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا آنسوا « 3 » نارا يقولون ليتها * وقد خصرت « 4 » أيديهم نار غالب
فأعرض سليمان كالمغضب فقال نصيب : يا أمير المؤمنين ألا أنشدك في رويّها ما لعله لا يتّضع عنها . فقال : هات . فأنشده :
أقول لركب صادرين « 5 » لقيتهم * قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّروني عن سليمان انني * لمعروفه من أهل ودّان « 6 » طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وهذا في باب المدح حس ومتجاوز ومبتدع لم يسبق إليه على أن الشاعر وهو أخو همدان قد قال في عصره في غير المدح :
يمرّون بالدهنا « 7 » خفافا عيابهم « 8 » * ويخرجن من دارين « 9 » بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جلّ أمورهم * فنذلا زريق المال نذل الثعالب
هامش
( 1 ) العصائب : العمائم .
( 2 ) سروا : مشوا ليلا .
( 3 ) آنسوا : أبصروا .
( 4 ) خصرت أيديهم : أصابها البرد .
( 5 ) صادرين : راجعين .
( 6 ) ودان : رستاق بنواصي سمرقند بلده قرب الأبواء .
( 7 ) الدهناء : مكان لتميم بنجد ، وهي الفلاة .
( 8 ) العياب : جمع عيبة .
( 9 ) دارين : موضع بالبحرين يجلب منه المسك الداري .