حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الشيبانيّ عن ابن الاعرابي قال : قيل لرجل من أهل البادية وخرج عنها أترجع إلى البادية ؟ فقال : أمّا ما دام السعدان مستلقيا فلا يريد ، أنه لا يرجع إلى البادية أبدا ، كما أن السعدان لا يزول عن الاستلقاء أبدا ، وقال أبو عليّ البصير واسمه الفضل بن جعفر ، وإن لم يكن بحجة ولكنه أجاد فذكرنا شعره هذا لجودته لا للاحتجاج به ، يمدح عبيد اللّه ابن يحيى بن خاقان وآله فقال :
يا وزراء السلطان * أنتم وآل خاقان
كبعض ما روينا * في سالفات الأزمان
ماء ولا كصدّاء « 1 » * مرعى ولا كالسعدان
وهذه الأمثال ثلاثة منها قولهم مرعى ولا كالسعدان ، وفتى ولا كمالك ، وماء ولا كصدّاء ، تضرب هذه الأمثال للشيء الذي فيه فضل وغيره أفضل منه ، كقولهم ما من طامّة إلا وفوقها طامّة أي ما من داهية إلا وفوقها داهية .
ويقال : طما الماء وطمّ ، إذا ارتفع وزاد . ومالك الذي ذكروا هو مالك بن نويرة أخو متمّم بن نويرة ، وصدّاء يمدّ ، وبعضهم يقول : صدّى فيضم أوله ويقصر .
فأما أبو العباس محمد بن يزيد فإنه قال : لم أسمع من أصحابنا إلا صداء يا فتى وهو اسم لماء معرفة وهما همزتان بينهما ألف والألف لا تكون إلا ساكنة كأنك قلت صدءاء يا هذا ، وقوله : إنما هو واللّه الفجر أو البجر ، يقول : إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر الطريق أبصرت قصدك ، وإن خبطت الظّلماء وركبت العشواء « 2 » هجما بك على المكروه ، وضرب ذلك مثلا لغمرات الدنيا وتحييرها أهلها ، وقوله يهيضك مأخوذ من قولهم هيض العظم إذا جبر ثم أصابه شيء يعنته فآذاه فكسره ثانية أو لم يكسره ، وأكثر ما يستعمل
هامش
( 1 ) صداء : عين ليس عندهم أعذب منها .
( 2 ) العشواء من العشا بالفتح والقصر وهو سوء البصر بالليل أو النهار .