ملك الشام عراقا وترنم حادي المسرّة بعد الصعيد في الحجاز ، وفتح اللّه لسلطاننا أبواب النصر فكانت على الحقيقة نعم المجاز ، وأخصبت مصر في أيامه الزاهرة فلم ترض أن تستخدم جارية تصب على يدها من الغيث ، وجاور الشافعي « 1 » فتفقّه في العدل ، وتأسّد على ملوك الأرض بالليث . وقرّ قرار البحر وسكن البرّ البرّ « 2 » فتيسرت له كل عسره ، وناهيك أن ريم الفلا دخل تحت هذا الإيناس ولم يصر عنده نفره ، ولا تنمر بعدها أسد بل صار لصغار الأرآم « 3 » في جبهته لمس ، وأشرقت الأرض الأشرفية بأسدها فحسن أن يكون طالع الرعايا بالأسد والشمس ، وأخبر نسيم القبول بطيب طيبة وهو صادق الأنفاس ، وزمزم الفرح بالمقام لما سمع أن الأشرف شرب « 4 » من سقاية العباس .
وأمسى عيش أهل الصفا والمروة بهذه البشرى صافيا ، وصار أول بيت وضع للناس على هذا الهناء ثانيا . ودنا الأقصى من هذه المسرّة التي ألانت « 5 » الصخرة ، وفتح اللّه باب الرحمة ، وأثمرت أعواد المنابر بشكر اللّه فقال « 6 » كل خطيب : « الحمد للّه على هذه النعمة » ، ونثر الملك الأشرف ندى قلمه الشريف على الأوراق فكأنه مدّ من غمامه ، وظهر كل تقليد وقد بان عليه الشرف بتلك العلامة . ووجدت كتّاب الإنشاء للمصطلح بعد التنكير « 7 » تعريفا ، وأعطاهم الوقت القابل دستورا فزادوا صعدة التعريف تثقيفا . وارتفع علمهم الزاهر ووجدوا في الأيام الأشرفية شرفا ، وسئلوا عن قلم الترسل « 8 » « هل وكف بالخيرات ؟ » فقالوا : « حسبنا اللّه وكفى » . وصار لبليغهم حظ وقلم البليغ بغير حظ مغزل . ودار لقهوة الإنشاء دور صفا بسلافتها « 9 » وتسلسل ، وطار حمام « 10 » الرسائل وقد جعل طوقه على مخلق هذه البشرى مزرّرا . وبعده يصير طرح البرد في هذه
هامش
( 1 ) الشافعي : قا : الشافعي رضي اللّه عنه .
( 2 ) البر البر : قا : البر .
( 3 ) الآرام : ق : الآلام .
( 4 ) شرب : ها : سمع .
( 5 ) ألانت : قا : لانت .
( 6 ) فقال : ساقط من ها .
( 7 ) التنكير : ها : الشكر .
( 8 ) الترسل : ها : التوسل .
( 9 ) بسلافتها : قا : لسلافتها ؛ تو ، ها : لبلاغتها .
( 10 ) حمام : تو ، ها : حمائم .