وكم قال هذا المنصب : « ربّ قد أضعفني اليتم وصار الباطل قويّا ،
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
« 1 » ، فإنه الوليّ الذي لا يخاف إذا عزل به قوم عن أحكام القضاء غافلون ، تمسكا بقوله تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » . وقد اطمأنّ قلب كل يتيم ويتيمة أرمله . وقالا بعد حمد اللّه : « هذا وليّ من لا وليّ له » ، ومشى حال كل واقف كان وقفه جاريا فاعتراه وقفه ، وصدقت الرسل وأعلن شهود الحق بالشهادة وغضّ كل ناظر طرفه ، ومال الصدقات كان قد منع صرفه فألقى موانعه وصرفه لما أعرب عن هباته ، وأهل الصدقات ما برحوا معترفين بصدقاته ، وأهل مكة والمدينة رفعوا لهذه البشرى علمين ، وقالوا : « هذا على الحقيقة قبلة العلماء وإمام الحرمين » ، وهبّ نسيمه العراقي فترنم الناس بحسن إيقاعه في الصعيد والحجاز ، ورنح أعطاف الدوح الشامي فإنه نسيم قبول له في القلوب على الحقيقة مجاز ، وهذا التقليد كما قال الفاضل موقعه موقع طوق الحمامة تتقلده ولا يقلع ، فإن سجعت على عودها فمطوّقها بين الأوراق المثمرة بالعلم يسجع . ومن بديع الاتفاق في حكاية الحال ، ما قرره الفاضل في الأيام الصلاحية وقال : « وما كان اللّه ليخلي مصر وهي خزائن « 3 » الأرض من أن يوطنها مفتاح علوم شرعه ، ولا ليعطلها وهي كنانة اللّه من سهم قسمه بين أوليائه وأعدائه سهما لضرّه وسهما لنفعه » ، وزماننا قد سمح بهذا الولي وهو سهم هذه الكنانة الذي وصلنا به إلى الأغراض الصائبة ، ولم نخرج « 4 » لصدق ولايته عن الأمور الواجبة ، فإنه العالم الذي حاز كثيرا من العلم عجز الأنام من أقلّه .
وإذا أشرنا إليه بقول الشاعر فقد وضعنا الشيء في محلّه : [ من البسيط ]
إذا تغلغل فكر المرء في طرف * من فضله غرقت فيه خواطره
ما ندب إلى ولاية غير مستحق إلا قال مورّيا به : « لا مهلا » ، ولا حاول أمرا شرعيا عجز عنه الغير إلّا : [ من السريع ]
قال له الشرع : امض ما تحاوله * واقض قضاء لا يردّ قائله
هامش
( 1 ) سورة مريم 19 / 5 .
( 2 ) سورة يونس 10 / 62 .
( 3 ) خزائن : قا : خزانة .
( 4 ) نخرج : قا : يخرج .