وتكلم بنفس ، فأكرم به مثالا « 1 » أرانا خفر الملك على كل قرينة لها من حجب البلاغة ستور ، وخدامها من سود سطورها وبيض طروسها عنبر وكافور ، ورد وصحف الصفاء صقيلة فتمثّل فيها ، وأظهر من أوراقه ثمرات المودّة ونحن بيد القبول نجنيها . وقدم من ذلك الحرم الأحمدي فكان أكرم وافد قوبل منّا بالإكرام ، وفتح أبواب الدخول إلى السلام ، فسلمنا وقلنا لخواصّنا :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
« 2 » . ولقد ثملنا بكأس إنشائه وهو بحضرتنا الشريفة دائر ، وعلمنا أن هذا الإنشاء لا يصدر إلا من فاضل ، والفاضل لا ينسب إلا إلى الناصر ، وتغزّلنا بمحاسنه في جيرة اليمن بعد التغزّل في جيرة العلم ، ورأينا تحمّس بلاغته فقلنا : « هذا لا يصدر إلا من رب سيف وقلم » ، وودّ كل دوح أن يملأ طروس أوراقه بريحان سطوره ، وتطفّل كل روض أريض « 3 » عند وروده على زهر منثورة ، وقالت فصاحته وتلك البلاغة التي جاءت بسحر البيان : « هل يفتي لنا بصدق المحبة ؟ » فقال لهما القلب :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
« 4 » ، فهذا نفس طيب عرفنا معدن طيبه فلم نقل : « من أين ؟ » .
وهذي سلافة إنشاء أدارت سلطانياتها فأنشأت أهل الخافقين ، وهذا سحر صدقت عزائمه في العطف والقبول بين الملكين ، وأبطل هذا السحر الحلال ما حرّم ببابل من سحر الملكين ، واشتمل على نظم ونثر . ورأينا شعار السلطنة عليهما عيانا « 5 » ، كأنّ البلاغة قالت لهما قديما : « سنجعل لكما سلطانا » ، فعلمنا أن هذا الأدب الملوكي لا يكتب إلا من ديوان سلطان ، وهذه النصرة لا تتولد في البلاغة إلا من ناصر رفعت له أعلام البيان . فيا له من مثال تدرّع زرد ميماته فقلنا : « لا طعن فيك لطاعن » ، وشرّع أطباق « 6 » بديعه فكانت على أكناف النيل المبارك من أنزه المساكن ، وأطرب بأنفاس علمنا أنها صعدت من يراع ما برح بالسعادة موصولا ، وطاف في حضرتنا الشريفة بكأس يمنية كان مزاجها زنجبيلا ، وأهدى مخدّرات تحفة فكان المسك من خدامها
هامش
( 1 ) مثالا : ها : ما .
( 2 ) سورة ق 50 / 34 .
( 3 ) أريض : طب ، تو : أبيض .
( 4 ) سورة يوسف 12 / 41 .
( 5 ) عيانا : ساقط من طب .
( 6 ) وشرع أطباق : طب : شرع طباق ؛ ها : سرع طباق .