ولم يكن هذا في عصر التابعين فحسب بل استمرّ حتى زمن ابن الجوزي ومن بعده ، فلقد مرّ بنا في سيرته ما يدل على ارتفاع شأنه وهو دون شك من كبار القصاص .
ونظرة إلى أسماء القصاص الذين أوردهم المؤلف في كتابه « القصاص والمذكرين » تبيّن هذه الحقيقة بأجلى بيان . . هذا وكثيرا ما نقرأ في التراجم أن فلانا القاضي في بلد ما كان هو القاصّ فيها أيضا . من أجل ذلك كان الحكام والسياسيون يخشون القصاص الذين لم يرتبطوا بهم أعظم الخشية ، وقد يمنعونهم من الجلوس في المساجد إلا بإذن .
وقد كانوا في أحقاب من التاريخ سببا في قيام بعض الاضطرابات بين أهل السنة والفرق المنحرفة عندما كانوا يشحنون العامّة بما يثيرهم ؛ فيوقفون المبطلين عند حدّهم .
كل هذا يدل على أثرهم الفعّال في المجتمع واستجابة العامة لما يطلبه هؤلاء القصاص منهم على نحو ما فعل العامة من إيذاء لابن جرير « 1 » والشعبي « 2 » والسيوطي « 3 » . وليس من شك في أن أثرهم الديني والخلقي كان كبيرا ، ولقد استطاعوا أن يحققوا ما عجز عنه العلماء في كثير من الأحيان ، وقد لاقى كلامهم رواجا عند الدهماء وكان أشد استهواء لهم من كلام العلماء الجادّ الرصين .
* * * وكان بعض القصاص على درجة كبيرة من الجشع ، فقد نقل
هامش
( 1 ) انظر « تحذير الخواص » 161
( 2 ) انظر « كتاب القصاص والمذكرين » 98
( 3 ) انظر « تحذير الخواص » 6 .