ونظير هذه القصة ما ذكره الله تعالى وقصه ، في روض كلامه النضر عن موسى والخضر ، عليهما السلام والتحية والإكرام ، إذ ركب السفينة وخرق خرقا مؤديا إلى الغرق ، وقتل النفس الزاكية ، وأقام بغير أجر أركان الجدار الواهية ، وبعض ذلك مخالف لظاهر الشريعة تنفر عنه النفس السليمة والطبيعة ، ولكنه موافق للحكمة الإلهية ومقتضيات العقل الحقية ، الذي لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار الخفية ، ولهذا قال جل واحدا أحدا وتعالى فردا صمدا :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً
[ الجن : 26 ] . ثم استثنى من هذا المقول إلا من ارتضى من رسول ، وإنما الشريعة الزاهرة وردت بما تقتضى من الحكم الظاهرة ، فتعبدنا الله في الشرائع بظاهر ما يثبت في الوقائع .
قيل : من أيقن بحقية أربعة كان من ضيق أربعة في سعة ، وأمن ودعة : من أيقن أن الصانع الضار النافع لم يخطئ ولم يغلط ؛ أمن من العيب والشطط .
ومن أيقن أن الخلاق ، ومقسم الأرزاق لم يحف في خلقه ، ولم يمل في رزقه ؛ أمن الحسد واستراح من النكد .
ومن أيقن بوقوع المقدور ، وأنه لا ينجيه منه محذور ؛ أمن الغم ولم يتسلط عليه الهم ، كما قيل :
ما قد قضى يا نفس فاصطبرى له * ولك الأمان من الّذى لم يقدّر
وقيل : ومن عرف أصله أمن من الكبر نصله .
[ 91 ]
[ من أخبار عمر بن عبد العزيز : ]
وروى : أنه كتب في قضية إلى أعدل خلفاء بنى أمية « 1 » ، من
هامش
( 1 ) عمر بن عبد العزيز ؛ ابن مروان ، خامس الخلفاء الراشدين ، وهو الخليفة العادل حفيد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، كان زاهدا وعالما فقيها عابدا ورعا شاع بين الناس العدل والأمان . وكان لين سمح الخلق . مات سنة ( 101 ه ) سير أعلام النبلاء ( 675 ) .