قلوب الرعية كرهوه وتوقعوا غيره ليقوموا معه وينصروه ، وإذا لم يوجد عقدوا الحقود واستمروا أذلاء كاليهود ، والبغضة كامنة والخسائف « 1 » باطنة ، فتقدم العداوة وتتقدم وتتأكد وتتأزم ، وإذا قدمت العداوة ذهبت من الصداقة الحلاوة ، فلا بد يوما من الأيام أن تبرز رأسها من جيب الانتقام ، وإذا وجدوا فرصة وثبوا عليه وقصدوا قصه كما جرى للفريرة مع الهريرة . قال يسار :
بيّن لي هذه الأخبار .
[ 50 ]
[ الفريرة والهريرة : ]
فقال : ذكر شخص معتبر من رواة الخبر ؛ أن في القديم كان رجل عديم وعنده قط رباه وأحسن مرباه ، فكان عنده كالولد الأعز وأكرم من ابن الفرات « 2 » عند ابن المعتز « 3 » ، وكان القط قد عرف منه الشفقة ، وألف منه المودة والمقة ، فكان لا يبرح عن مبيته ولا يسعى لطلب قوته ، فحصل له هزال وتغير ماله من أمر وحال لا عند صاحبه ما يغذيه ، ولا هو ذو قوة عن الاصطياد تغنيه ، إلى أن عجز عن الصيد ، فصار يسخر به من أراذل الفيران كل عمرو وزيد وصار كما قيل :
خلت الرقاع من الرّخا * خ وفرزنت فيها البيادق « 4 »
وتسابقت عرج الحمير * فقلت من عدم السّوابق
وسطا الغراب على العقا * ب وصاد فرخ اليوم بأشق « 5 »
سكتت بلابلة الزما * ن وأصبح الخفاش ناطق
هامش
( 1 ) الكراهية والبغض .
( 2 ) ابن الفرات : وزير عباسى ، الوزير الكبير ، أبو الحسن ، علي بن أبي جعفر بن الفرات ، ولما جرت فتنة ابن المعتز ، وقتل العباس الوزير ، وزر ابن الفرات سنة سنة 96 ه وتمكّن ، فأحسن وعدل ، وكان سمحا مفضالا محتشما ، ثم عزل ووزر عدة مرات مات سنة 291 ه . سير أعلام النبلاء ( 2802 ) .
( 3 ) ابن المعتز : خليفة عباسى .
( 4 ) الرّخ : قطعة من قطع الشطرنج وهو الطابية ، والبيدق : عسكرى الشطرنج ، والمعنى : أي خلت الأرض من أصحاب الهمة والسمو وامتلأت بالأراذل .
( 5 ) الباشق : من أصغر الطيور الجارحة .