فإذا أخذه سلك الوزن ، وعقدة « 1 » القافية تألفت أشتاته ، وازدوجت فرائده وبناته ، واتخذه اللّابس جمالا ، والمدّخر مالا ، فصار قرطة الآذان ، وقلائد الأعناق ، وأمانىّ النفوس ، وأكاليل الرؤوس ، يقلّب بالألسن ، ويخبأ في القلوب ، مصونا باللب ، ممنوعا من السرقة والغصب .
وقد اجتمع الناس على أن المنثور في كلامهم أكثر ، وأقل جيدا محفوظا ، / وأن الشعر أقل ، وأكثر جيّدا محفوظا ؛ لأن في أدناه من زينة الوزن والقافية ما يقارب به جيد المنثور .
وكان « 2 » الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها ، وطيب أعراقها ، وذكر أيامها الصالحة ، وأوطانها النازحة ، وفرسانها الأنجاد « 3 » ، وسمحائها الأجواد ؛ لتهز أنفسها إلى الكرم ، وتدل أبناءها / على حسن الشّيم « 4 » ، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام ، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا ؛ لأنهم قد « 5 » شعروا به ، أي فطنوا .
وقيل « 6 » : ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون ، فلم يحفظ من المنثور عشره ، ولا ضاع من الموزون عشره .
- ولعل بعض الكتّاب المنتصرين للنثر ، الطاعنين على الشعر ، يحتج بأن القرآن كلام اللّه تعالى منثور ، وأن النبىّ صلى اللّه عليه وسلّم غير شاعر ؛ لقول « 7 » اللّه عز وجل :
هامش
( 1 ) في المطبوعتين : « وعقد » . والعقدة : قلادة . انظر اللسان في [ عقد ] .
( 2 ) انظر كلاما جيدا ومشابها لهذا في تأويل مشكل القرآن 17 و 18 .
( 3 ) في م : « الأمجاد » .
( 4 ) الشيم : جمع شيمة : وهي الخلق والطبيعة . انظر اللسان في [ شيم ] .
( 5 ) سقطت « قد » من المطبوعتين .
( 6 ) هذا جزء من كلام لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي ، وقد أورده الجاحظ في البيان والتبيين 1 / 287 ، وفيه : « وما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون ، فلم يحفظ من المنثور عشره ، ولا ضاع من الموزون عشره » .
( 7 ) في ف والمطبوعتين : « لقول اللّه تعالى » .