فجعل الليلة ساهرة على المجاز ، وإنما يسهر فيها ، وجعل للعصافير كلاما ، ولا كلام لها على الحقيقة « 1 » .
- ومثله قول اللّه عز وجل حكاية « 2 » عن سليمان صلى اللّه على سيدنا « 3 » محمد وعليه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
، [ سورة النمل : 16 ] وإنما الحيوان الناطق : الإنس « 4 » ، والجن ، والملائكة ، فأما الطير فلا ، ولكنه مجاز مليح واتساع ، وهذا أكثر من أن يحصره أحد .
- ومثله في كتاب اللّه عز وجل كثير ، من ذلك قوله تعالى « 5 » :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
، [ سورة يوسف : 82 ] ومنه « 6 » قوله تعالى « 7 » :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
، [ سورة البقرة 93 ] يعنى : حبه ، ومنه :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
، [ سورة المؤمنون : 14 ] وهو الخالق حقّا ، وغيره خالق مجازا ، وقوله :
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
، [ سورة آل عمران : 54 ] وإنما سمى ذلك مكرا منه « 8 » ؛ لكونه مجازاة عن مكر ، وكذلك قوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ سورة آل عمران : 21 ، وسورة التوبة 34 ، وسورة الانشقاق 24 ] ، والعذاب لا يبشّر به ، وإنما هو أنه مكان البشارة .
- ومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق « 9 » : [ الكامل ]
والشيب ينهض في الشباب كأنّه * ليل يصيح بجانبيه نهار « 10 »
هامش
-ما ذا شجاك بحوّارين من طلل * ودمنة كشفت عنها الأعاصيروحوّارين قرية من قرى حلب ، وحوارين : حصن من ناحية حمص . انظر معجم البلدان في [ حوارين ] .
( 1 ) في مجالس العلماء 23 بعد إنشاد العتابي البيت : « فقال له منصور النمري : العصافير تتكلم ؟ فقال العتابي : نعم تتكلم ، وتنطق ، ويقال ذلك لما أعرب عن نفسه بحال ترى فيه ، فيقال :
أخبرت الدار بكذا ، وتكلمت بكذا ، فكيف ما له نطق » ؟ وذكر شاهدين من قول كثير ، وقول الكميت ، فسكت منصور منقطعا .
( 2 ) في ف والمطبوعتين : « إخبارا . . . » .
( 3 ) سقطت كلمة « سيدنا » من ص وف .
( 4 ) في ص : « الجن والإنس والملائكة » .
( 5 ) سقطت كلمة « تعالى » من ص .
( 6 ) في المطبوعتين : « ومثله » .
( 7 ) سقطت كلمة « تعالى » من ص والمطبوعتين ، وفي المطبوعتين : ( . . . بكفرهم ) .
( 8 ) قوله : « منه » ساقط من المطبوعتين والمغربيتين .
( 9 ) ديوان الفرزدق 2 / 467
( 10 ) اختلفت الآراء حول هذا البيت ما بين معجب به ومزر عليه ، وتستطيع أن ترى وجهتي النظر في طبقات ابن سلام 1 / 368 - واقرأ فيه التعليق عليه من المحقق - والشعر والشعراء 1 / 68 ، والموشح 163 ، والصناعتين 314 ، والكامل 1 / 29 ، ودلائل الإعجاز 95 ، وأسرار البلاغة 173 ، وديوان المعاني 2 / 87 و 163 ، وغير ذلك كثير .