- ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه ، ثم أخذ مستعملها ، وشريفها ، وما ساعد « 1 » معانيه ، ووافقها « 2 » ، واطرح ما سوى ذلك ، إلا أنه لا بدّ أن يجمعها ؛ ليكرر فيها نظره ، ويعيد عليها تخيّره في حين العمل . هذا الذي عليه حذّاق القوم .
- ومن الشعراء من إذا جاءه البيت عفوا أثبته ، ثم رجع إليه فنقحه ، وصفّاه من كدره ، وذلك أسرع له ، وأخفّ عليه ، وأصحّ لنظره ، وأرخى لباله .
- وآخر لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه ، وتثقيفه من جميع جهاته ، وذلك أشرف للهمة ، وأدلّ على المقدرة « 3 » ، وأظهر للكلفة ، وأبعد من السرعة « 4 » .
- وسألت شيخا من شيوخ هذه الصناعة : ما يعين « 5 » على الشعر ؟ فقال :
زهرة البستان ، وراحة الحمام .
- وقيل : إن الطعام الطيب ، والشراب الطيب ، وسماع الغناء يرقّ « 6 » الطبع ، ويصفّى المزاج ، ويعين على الشعر .
- ولما أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب « 7 » البرّ ، وسلاف « 8 » الخمر ، ولحوم الضأن ، والخلوة ، إلى أن بلغوا مجهودهم ، فلما سمعوا قول اللّه « 9 » تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ سورة هود : 44 ] يئسوا مما طمعوا فيه ، وعلموا أنه ليس بكلام مخلوق .
هامش
( 1 ) في م : « ومساعد . . . » .
( 2 ) في المطبوعتين ومغربية : « وما وافقها » ، وما في ص يوافق المغربية الأخرى .
( 3 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « القدرة » .
( 4 ) في ف والمطبوعتين : « . . . من السرقة » ، وما في ص يوافق المغربيتين .
( 5 ) في ف والمطبوعتين : « فقلت : ما يعين . . . » ، وما في ص يوافق المغربيتين .
( 6 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « مما يرق . . . » ، وانظر المحاضرات 1 / 2 / 715
( 7 ) اللباب : أصل الشئ وحقيقته .
( 8 ) سلاف الخمر : أول ما يعصر منها ، وأفضلها وأخلصها .
( 9 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « قول اللّه عز وجل » .