لأن المتقدمين أولى بهذه المعاني ، ولا سيما « 1 » مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربه ، وإنما تكتب أشعارهم لقربها من الأفهام ، وأن الخواصّ في معرفتها كالعوام ، فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب ، يستميل أمّة من الناس إلى استماعه ، وإن جهل الألحان ، وكسر الأوزان ، وقائل الشعر الحوشى بمنزلة المغنّى الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت ، يعرض عنه إلا من عرف فضل صنعته ، على أنه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذّات ، إنما يجعل معلّما للمطربات من القينات ، يقوّمهنّ بحذقه ، ويستمتع بحلوقهن دون حلقه ، ليسلمن من الخطأ في صناعتهن ، ويطربن بحسن أصواتهن « 2 » .
- وهذا التمثيل الذي مثّله ابن وكيع من « 3 » أحسن ما وقع ، إلا أن أوّله من قول أبى نواس « 4 » : [ الكامل ]
صفة الطلول بلاغة الفدم * فاجعل صفاتك لابنة الكرم « 5 »
لا تخدعنّ عن الّتى جعلت * سقم الصّحيح وصحّة السّقم
هامش
( 1 ) في ص : « لا سيما » ، والتعبيران صحيحان ، بل يجوز حذف الواو و « لا » وتخفيف « سى » انظر ضياء السالك إلى أوضح المسالك 2 / 209 ، وما في ف والمطبوعتين والمغربيتين يوافق المنصف .
( 2 ) اقرأ كلام ابن وكيع هذا في كتاب المنصف 174 ، وهناك اختلاف يسير .
( 3 ) سقطت « من » من ف .
( 4 ) هو الحسن بن هانئ ، مولى الحكم بن سعد العشيرة من اليمن ، يكنى أبا نواس ، واشتهر بكنيته ، وقد انقطع إلى والبة بن الحباب الذي عنى بتأديبه ، فلما مات والبة لزم خلفا الأحمر ، فحمل عنه علما كثيرا ، وأدبا واسعا . ت 198 أو 199 أو 200 ه .
الشعر والشعراء 2 / 796 ، وطبقات ابن المعتز 193 ، وتاريخ بغداد 7 / 436 ، والموشح 407 ، والفهرست 182 ، والأغانى 20 / 60 وأخبار أبى نواس لابن منظور ضمن كتاب الأغانى 29 / 9831 ( ط دار الشعب ) ونوادر المخطوطات 2 / 296 ، وسير أعلام النبلاء 9 / 279 وما فيه من مصادر ، ومسائل الانتقاد 133 ، ووفيات الأعيان 2 / 95 ، ومعاهد التنصيص 1 / 83
( 5 ) ديوان أبى نواس 57 و 58 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ .
وفي ف والمطبوعتين ومغربية : « القدم » بالقاف ، وما في ص ومغربية يوافق الديوان . والفدم من الناس : العيى عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم . ومن معانيه : الغليظ السمين الأحمق الجافي . انظر اللسان في [ فدم ] .