فو حقّ من أبلى بهم * نفسي ومن عافاهم
لو قيس موتاهم بهم * كانوا هم موتاهم
ثم نظر حوله فرأى جميل الهيئة حسن الوجه ، فشق ثيابه وقال :
هذا السعيد لديهم * قد صار بي أشقاهم
أبو فحمة
قال أبو البحتري الشاعر : كان يبلغني أن ببغداد مجنونا يكنى أبا فحمة ، له بديهة حسنة ، فتعرضت له ، فأتيح لي لقاؤه في بعض سكت بغداد ؛ فقلت له : كيف أصبحت أبا فحمة ؟ فأنشأ يقول :
أصبحت منك على شفا جرف * متعرّض لموارد التّلف « 1 »
وأراك نحوي غير ملتفت * متحرّفا عن غير منحرف
يا من أطال بهجره كلفي * أسفي عليك أشدّ من كلفي
قال أبو البحتري : فأخرجت له قبضة نرجس كانت في كمّي فحيّيته بها ، فجعل يشمها مليا ، ثم أنشأ يقول :
لمّا تزوجت الجنوب بهاطل * جون هتون زبرج دلّاح « 2 »
أضحى يلقّحها بوسمي الصّبا * فاستثقلت حملا بغير نكاح « 3 »
حتى إذا حان المخاض تفجّرت * فأتت بولدان بلا أرواح
حاك الربيع لها ثيابا وشّيت * بيد النّدى وأنامل الأرواح
من أصفر في أزهر قد زانه * تبر على ورق من الأوضاح
ركّبن في عمد الزّبرجد فاغتدى * نحو الغزالة ناظرا بملاح
هامش
( 1 ) الجرف : شق الوادي إذا حفر الماء في أسفله .
( 2 ) الزبرج : السحاب الرقيق فيه حمرة .
( 3 ) الصّبا : ريح مهبها من مشرق الشمس إذا استوى الليل والنهار .