تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
السحاب أثقالها ، وجرّت بها الرياح أذيالها . وذكر أعرابي رجلا تغيرت حاله ، فقال : طويت صحيفته وذهب رزقه ، فالبلاء مسرع إليه ، والعيش عنه قابض كفّيه . وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سعة ، فقال : كان واللّه في ظل عيش ممدود ، فقدحت عليه من الدهر زند عين كابية الزند . الأصمعي قال : أنشدني العقيل لأعرابية ترثي ابنها :
ختلته المنون بعد اختيال * بين صفّين من قنا ونصال في رداء من الصفيح صقيل * وقميص من الحديد مذال « 1 »
كنت أخباك لاعتداء يد الدهر ولم تخطر المنون ببالي وقال أعرابي يرثي ابنه :
دفنت بكفي بعض نفسي فأصبحت * وللنّفس منها دافن ودفين
وقال أعرابي : إن الدنيا تنطق بغير لسان فتخبر عما يكون بما قد كان . خرج أعرابي : هاربا من الطاعون ؛ فبينا هو سائر إذ لدغته أفعى فمات ، فقال فيه أبوه :
طاف يبغي نجوة * من هلاك فهلك ليت شعري ضلّة * أيّ شيء قتلك والمنايا رصد * للفتى حيث سلك كلّ شيء قاتل * حين تلقى أجلك
وذكر أعرابي بلدا فقال : بلد كالتّرس « 2 » ، ما تمشي فيه الرياح إلا عابرات سبيل ، ولا يمر فيها السّفر إلا بأدلّ دليل .
هامش
( 1 ) القميص : الدرع ؛ والمذال الذي له ذيل . ( 2 ) بلد كالترس أي ملساء جرداء لا نبات فيها .