تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
رعده ، وتلألأ برقه ؛ فنزل الأرض فرويت واخضلّت واخضرت وأسقيت ، فروي ظمآنها ، وامتلأ عطشانها . فكذلك نعدّك أنت يا أمير المؤمنين أضاء اللّه بك الظلمة الداجية بعد العموس « 1 » فيها ، وحقن بك دماء قوم أشعر خوفك قلوبهم ، فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وبصيرتك ، وقد علموا أنك الحرب وابن الحرب ، إذا احمرّت الحدق ، وعضّت المغافر بالهام « 2 » . عزّ بأسك ، واستربط جأشك ، مسعار هتّاف ، وكافّ بصير بالأعداء ، مغري الخيل بالنّكراء ، مستغن برأيه عن رأي ذوي الألباب ، برأي أريب ، وحلم مصيب . فأطال اللّه لأمير المؤمنين البقاء ، وتمّم عليه النعماء . ودفع به الأعداء . فرضي عنه هشام وأمر له بجائزة .

خلاص ابن هبيرة من خالد القسري :

العتبي قال : لما أتي بابن هبيرة إلى خالد بن عبد اللّه القسري وهو والي العراق ، أتي به مغلولا مقيّدا في مدرعة . فلما صار بين يدي خالد ألقته الرجال إلى الأرض ، فقال : أيها الأمير ، إن القوم الذين أنعموا عليك بهذه النعمة قد أنعموا بها على من قبلك ، فأنشدك اللّه أن تستنّ فيّ بسنّة يستنّ بها فيك من بعدك ، فأمر به إلى الحبس . فأمر ابن هبيرة غلمانه فحفروا له تحت الأرض سردابا حتى خرج الحفر تحت سريره ، ثم خرج منه ليلا وقد أعدّت له أفراس يداولها ، حتى ، أتى مسلمة بن عبد الملك ، فاستجار به فأجاره ، واستوهبه مسلمة من هشام بن عبد الملك ، فوهبه إياه . فلما قدم خالد بن عبد اللّه القسريّ على هشام ، وجد عنده ابن هبيرة ، فقال له : إباق العبد أبقت « 3 » . قال له : حين نمت نومة الأمة . فقلل الفرزدق في ذلك :
لمّا رأيت الأرض قد سدّ ظهرها * فلم يبق إلا بطنها لك مخرجا
هامش
( 1 ) العموس : اشتداد الظلام . ( 2 ) المغافر : ما يلبس على الرأس في الحرب وقاية له . ( 3 ) أبقت : هربت .