وصلّى اللّه على [ سيّدنا محمّد ] النبيّ المكرّم ، الشافع المقرّب ، الذي بعث آخرا واصطفي أوّلا ، وجعلنا من أهل طاعته ، وعتقاء شفاعته .
وبعد : فإنّ أهل كلّ طبقة ، وجهابذة « 1 » كلّ أمّة ؛ قد تكلّموا في الأدب وتفلسفوا في العلوم على كلّ لسان ، ومع كلّ زمان ؛ وإنّ كلّ متكلّم منهم قد استفرغ غايته وبذل مجهوده في اختصار بديع معاني المتقدّمين ، واختيار جواهر ألفاظ السالفين ؛ وأكثروا في ذلك حتى احتاج المختصر منها إلى اختصار ، والمتخيّر إلى اختيار .
ثم إني رأيت آخر كلّ طبقة ، وواضعي كلّ حكمة ومؤلّفي كل أدب ، أعذب ألفاظا وأسهل بنية وأحكم مذهبا وأوضح طريقة من الأوّل ، لأنه ناكص متعقّب « 2 » ، والأوّل بادي متقدّم .
فلينظر الناظر إلى الأوضاع المحكمة والكتب المترجمة بعين إنصاف ، ثم يجعل عقله حكما عادلا [ وفيصلا ] قاطعا ؛ فعند ذلك يعلم أنها شجرة باسقة الفرع ، طيّبة المنبت ، زكيّة التّربة ، يانعة الثّمرة . فمن أخذ بنصيبه منها كان على إرث من النّبوّة ، ومنهاج من الحكمة ؛ لا يستوحش صاحبه ، ولا يضلّ من تمسّك به .
وقد ألّفت هذا الكتاب وتخيّرت جواهره من متخيّر جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان ، فكان جوهر الجوهر ولباب اللّباب ؛ وإنّما لي فيه تأليف [ الأخبار ، وفضل ] الاختيار ، وحسن الاختصار ، وفرش في صدر كلّ كتاب ؛ وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء ، ومأثور عن الحكماء والأدباء . واختيار الكلام أصعب من تأليفه . وقد قالوا : اختيار الرجل وافد عقله « 3 » . وقال الشاعر :
قد عرفناك باختيارك إذ كا * ن دليلا على اللّبيب اختياره
هامش
( 1 ) الجهابذة : جمع جهبذ ، وهو الخبير بالأمور المميّز بين جيدها ورديئها .
( 2 ) متعقّب : متأخر .
( 3 ) وافد عقله : أي صادر عنه ودليل عليه .