قائم ، في يده قارورة فيها الماء ، ويحيى بن ماسويه « 5 » ينظر أليها ، فقال : ليس أرى إلا ما أحبّ ، فقلت : يا أمير المؤمنين أنشدك أبياتا ؟ فقال لي : أنشد .
فأنشدته « 6 » : [ من الوافر ]
تنكر حال علّتي الطبيب ، * فقال : أرى بجسمك ما يريب
جسست العرق منك ، فدلّ عندي * على داء له شأن عجيب
فما هذا الذي بك ؟ هات قل لي ، * فكان جوابه منّي النّحيب
فجسمي بالحبيب بلي سقاما ، * وقلبي ، يا طبيب ، هو الكئيب
فحرّك رأسه ، ودنا إليّ ، * وقال : الحبّ ليس له طبيب
فأعجبني تظرّفه عليّ ، * فقلت : بلى ، إذا رضي الحبيب
فقال : هو الشّفاء ، فلا توان ، * فقلت : أجل ، ولكن لا تجيب
ألا هل مسعد يبكي لشجوي ، * فإني ها هنا أبدا غريب
فضحك ودعا بالشّراب ، وشرب وشربنا معه ، ووجّه إلى قبيحة ، فوقع الصلح بينهما وخرجت [ من ] عندها رقعة بخطّ فضل الشاعرة « 7 » : [ من البسيط ]
لأصبرنّ على ما بي من المضض ، * حتى أموت ، ولا يشعر بي النّاس
ولا يقال شكا من كان يعشقه ، * إنّ الشّكاة لمن يهوى هو اليأس
ولا أبوح بسرّ كنت أكتمه ، * عند الجليس ، إذا ما دارت الكاس « 8 »
هامش
( 5 ) يحيى بن ماسويه : أو يوحنا . كان نصرانيا سريانيا ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة وجعله أمينا على الترجمة . خدم أيضا الخلفاء إلى أيام المتوكل الذي توفي في عهده . ( القفطي ، أخبار الحكماء 380 ) .
( 6 ) الأبيات في ديوان علي بن الجهم 106 - 7 ، وهي في الأغاني ( دار الكتب ) 10 : 215 . والقصة في الأغاني .
( 7 ) فضل الشاعرة : جارية المتوكل . من مولدات اليمامة ، ثم نقلت إلى العراق . ثقفت بالعربية والآداب الإسلامية ، ودربت على الإنشاد والإيقاع . في وفاتها اختلاف ما بين 257 و 260 ه . ( فوات الوفيات 3 : 185 ، ابن الساعي : نساء الخلفاء 91 ، سيدات البلاط العباسي 85 ) .
( 8 ) الأبيات في الأغاني 10 : 215 .