وإن نضا حدّه أو سلّ عزمته * تأخّر الماضيان السيف والقدر
من لم يبت حذرا من سطو سطوته * لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر
ينال بالظنّ ما يعيا العيان به * والشّاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده * يدرى عواقب ما يأتي وما يذر « 1 »
وأحسن منه نظما وأرق جلدة وأدق فهما ما قال بعض المتأخرين :
يا من له الأطيبان المجد والكرم * ومن له الماضيان السيف والقلم
ومن خلائقه كالروض ضاحكة * فطبّعه الأحسنان الجود والشّيم
أنت الجواد وأنت البدر لا كذب * يمحى بك الأسودان الظلم والظلم
هناك ربّك ما أولاك من نعم * لا مسّك المؤذيان السقم والألم
وعادك الشهر أعواما مكرّرة * ما عظّم الأشرفان البيت والحرم
فهذه الأبيات من أعجب ما يأتي في أمثلة التوشيع ، وهي من أرق الشعر وأمدحه ، وأدخله في حسن الانتظام وأفصحه .
الصنف الرابع التطريز
وهو تفعيل من طرزت الثوب إذا أتيت فيه بنقوش مختلفة ، واشتقاقه من الطراز ، وهو فارسي معرب ، وهو في مصطلح علماء البيان مقول على ما يكون صدر الكلام والشعر مشتملا على ثلاثة أسماء مختلفة المعاني ثم يؤتى بالعجز فتكرر فيه الثلاثة بلفظ واحد ، ومن أمثلته ما قاله بعضهم :
وتسقيني وتشرب من رحيق * خليق أن يلقّب بالخلوق
كأنّ الكأس في يدها وفيها * عقيق في عقيق في عقيق « 2 »
وأراد بالثلاثة يدها ، والكأس ، والخمر ، وكلها محمرة فكرر لفظة العقيق إشارة إلى ما ذكرناه ، قال ابن الرومي يذم بنى خاقان :
أمور من بنى خاقان عندي * عجاب في عجاب في عجاب
قرون في رؤوس في وجوه * صلاب في صلاب في صلاب « 3 »
هامش
( 1 ) الأبيات في المصباح ص 173 .
( 2 ) البيتان لأبى هلال العسكري في ديوانه ص 174 ، والمصباح ص 174 .
( 3 ) البيتان في المصباح ص 175 .